لقد شهد الصراع في الشرق الأوسط في العصر الحديث تحولات عدة، فقد بدأ كصراع عربي/ إسرائيلي، ثم تحول إلى صراع فلسطيني/ إسرائيلي، حتى انتهى الآن، للأسف الشديد، إلى صراع فلسطيني- فلسطيني. ولم يتحقق هذا التحول لأن العدو الإسرائيلي في المجمل اكتسب مشروعية دولية وإقليمية لقدرته على إقناع الآخرين بعدالة قضيته، وإنما تحقق بسبب فشلنا في الدفاع عن حقوقنا. فعلى رغم عدالة قضيتنا، إلا أننا مثلناها بأسوأ محامٍ. فقد تمكن العرب والفلسطينيون في بدايات الصراع من حشد التأييد الدولي الرسمي والشعبي للقضية الفلسطينية، وكانت إسرائيل تعيش حصاراً حقيقياً، سياسياً واقتصادياً، وفي جميع المجالات، ووصل هذا التأييد للقضية الفلسطينية ذروته بخطاب الرئيس الراحل ياسر عرفات، رحمه الله، من على منبر الأمم المتحدة في منتصف السبعينيات، وكان ذلك الحدث إنجازاً دبلوماسياً كبيراً لأن العالم بأسره أقر واعترف بوجود شعب اغتصبت أرضه يسمى الشعب الفلسطيني، وأصبح غصن الزيتون الذي قدمه عرفات، رحمه الله، رمزاً في أبجديات المصطلحات الدبلوماسية إقراراً بعظمة الإنجاز وضخامة الحدث. وتوج ذلك الإنجاز بقرار الأمم المتحدة باعتبار الصهيونية شكلا من أشكال العنصرية. لقد اكتسبت القضية الفلسطينية دعماً من معظم دول العالم بدءاً من العالمين العربي والإسلامي، مرورا بدول عدم الانحياز والدول الأفريقية، وانتهاء بدول المعسكر الشرقي في ذلك الوقت. وظل هذا الدعم قوياً ومتنامياً حتى فوجئ العالم باتفاق "أوسلو" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وتباينت المواقف العربية والإسلامية والدولية من هذا الاتفاق بين مؤيد ومعارض. فالمؤيدون احتجوا بأن أصحاب القضية هم أعلم بمصلحتهم، وعلينا أن ندعمهم في اختيارهم. وأما المعارضون فكانوا أصنافاً عدة، فمنهم من عارض لأن لديه أجندة خاصة يريد أن يوظف القضية الفلسطينية لخدمتها، ومنهم من عارض لأن اتفاق "أوسلو" من وجهة نظره بخس الفلسطينيين حقوقهم، ولعلمه بعدم جدية النوايا الإسرائيلية نحو السلام الحقيقي. ومنذ توقيع اتفاق "أوسلو" تحول الصراع العربي/ الإسرائيلي إلى صراع فلسطيني/ إسرائيلي، وتمكنت إسرائيل من إحداث اختراقات دبلوماسية قوية في جدار الدعم العربي والإسلامي والدولي لمصلحتها، وفقدت القضية الفلسطينية الكثير من الأنصار والمؤيدين، لأن القائمين على القضية انشغلوا بالمفاوضات مع إسرائيل، والتبشير بالسلام وأحلامه عن التواصل مع أصدقائهم ومؤيديهم وشرح طبيعة المرحلة الجديدة. بل إن الأمر وصل إلى الشعور بعدم الحاجة للصديق، وأننا الأعرف بقضيتنا، ولدينا القدرة للتعامل مع إسرائيل بدون حاجة إلى المساندة من أحد. واستمر الوضع على هذا النحو حتى جاء شارون وقلب الأمور رأساً على عقب، وحاصر مقر السلطة في رام الله، وهنا استغاثت السلطة الفلسطينية بالأصدقاء القدامى، ولكن لا مغيث، لأنهم أصبحوا جزءاً من التاريخ، ولأن قواعد اللعبة قد تغيرت، فقد أصبحت إسرائيل هي اللاعب الوحيد والعالم بأسره يتفرج. فهي التي تحدد قواعدها وشروطها ونتائجها. وعلى رغم ذلك فإننا لم نستفد من التجربة، ولم نوظف نتائجها لاسترداد حقوقنا، بل انتقلنا إلى مرحلة جديدة هي الأخطر على القضية الفلسطينية في تاريخها الطويل، وهي تحول الصراع في المنطقة إلى صراع فلسطيني- فلسطيني، وإن كان خدمة لأجندات إقليمية ودولية، فالخاسر في النهاية هو الشعب الفلسطيني، والرابح هو إسرائيل. إن معركة "فتح" و"حماس" تمثل قمة الخيانة للقضية الفلسطينية، وهي رسالة للشعب الفلسطيني مؤداها أنه بحاجة إلى انتفاضتين وليس واحدة، والأولى أهم من الثانية وهي انتفاضته ضد صراعات قياداته في "فتح" و"حماس" التي أدخلت المرارة والألم إلى بيت كل فلسطيني بصراعها على السلطة بغض النظر عن المبررات التي يسوقها كل طرف لتبرير مواقفه. إن الانتفاضة ضد إسرائيل لن يكتب لها النجاح إلا إذا تغيرت بعض القيادات، وجاءت قيادات جديدة مخلصة للقضية وحدها تؤمن حقيقة بحرمة الدم الفلسطيني. د. علي راشد النعيمي