في تاريخ الفصائل الفلسطينية ممارسات متواترة تبدو كما لو أنها "ماركة" مسجلة باسمها. ومن هذه الممارسات تكرار الأخطاء وإعادة إنتاجها بدلا من استيعاب دروسها والسعي إلى تصحيحها. ومنها أيضاً تحويل الأخطاء إلى خطايا. كانت حركة "فتح" رائدة في هذا النوع من الممارسات التي انتقلت بسرعة إلى منظمة التحرير بحكم وزنها المميز فيها منذ عام 1969، ثم إلى السلطة الوطنية التي أقيمت في عام 1994 في إطار عملية "أوسلو". ولم يستطع أي فصيل آخر يساري أو قومي عربي "منافستها" في هذا المجال، إلى أن ظهرت حركة "حماس" وتنامي دورها. وعلى رغم أن أخطاء "فتح" كانت سبباً رئيسياً، إن لم يكن السبب الأهم، وراء توسع نفوذ "حماس" في الساحة الفلسطينية خلال السنوات العشر الأخيرة، لم تعتبر الأخيرة بذلك أو تتعظ. فقد سارت على الدرب نفسه بإصرار وتصميم. ويدفع الشعب الفلسطيني وقضيته الآن ثمن تسابق الحركتين في إعادة إنتاج الأخطاء وتحويلها إلى خطايا. ويحدث ذلك في لحظة تبدو مصيرية فعلا وليس مجازاً بالنسبة إلى قضية باتت مهددة بالضياع. وما المشهد الفلسطيني الذي سقط في هاوية جديدة خلال الأسابيع الأخيرة إلا نتيجة هذا التسابق إلى إعادة إنتاج الأخطاء وتحويلها إلى خطايا. كان قرار تأجيل طرح تقرير لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في الحرب على غزة (تقرير جولدستون) للاقتراع في الدورة العادية الثانية عشرة لمجلس حقوق الإنسان خطأ كبيراً لاشك فيه. ولكن استغلال هذا الخطأ لتصفية حسابات وشن حرب تخوين كان خطأ أكبر. أما تأجيل توقيع اتفاق للمصالحة الوطنية صار إنجازه ممكناً بعد جهد جهيد فهو أكثر من خطأ، وقد يبلغ مرتبة الخطيئة. لم يكن ما حدث في جنيف في الثاني من الشهر الجاري، خلال اجتماع الدورة العادية لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، تفريطاً في حق أو استهانة بأرواح شهداء أو خيانة لقضية أو وطن. ولو أنه كان كذلك، ما بقي لفصيل فلسطيني واحد شيء من وطنية أو انتماء. فليس هذا هو الخطأ الوحيد في العمل الوطني الفلسطيني الذي تراجع وأشرف على الانهيار نتيجة أخطاء لا تُعد ولا تُحصى. فقد نتج ذلك الخطأ عن ظاهرتين استشرتا في الساحة الفلسطينية حتى صارتا من علاماتها المميزة. أما الظاهرة الأولى فهي اختلال عملية صنع القرار في مختلف الفصائل كما في منظمة التحرير وبعد ذلك في السلطة الوطنية التي صارت سلطتين. فالقرار الفلسطيني، في مختلف أشكاله ومستوياته، يُصنع عشوائياً في غياب آليات واضحة ومسؤوليات محددة وقواعد للمساءلة والمحاسبة. كما أنه يصدر بلا دراسة أو حتى معلومات، وبالتالي بدون بحث في خيارات وبدائل. وأما الظاهرة الثانية فهي طغيان المصالح الضيقة وسيادة الحسابات الصغيرة وشيوع ضيق الأفق في الساحة الفلسطينية. ولذلك يأتي القرار في كثير من الأحيان انعكاساً لهذا الوضع وقد اقترن بنزوع متزايد إلى الشللية بعد رحيل القادة الكبار الذين صبغوا العمل الفلسطيني بصبغة فردية بأشكال مختلفة ودرجات متباينة. ولذلك يصعب إغفال دور بعض كبار رجال رام الله أصحاب "الأجندات" الخاصة في صنع قرار تأجيل الاقتراع على مشروع قرار بشأن توصيات تقرير جولدستون في 2 أكتوبر الجاري. فلهؤلاء، وبينهم بعض مستشارى رئيس السلطة الوطنية محمود عباس، مصلحة في استمرار الوضع الراهن، وبالتالي تكريس الانقسام مثلهم مثل بعض قادة حركة "حماس" وسلطة الأمر الواقع في قطاع غزة. ولذلك لا يزعجهم حدوث أزمة تؤثر سلباً على جهود المصالحة وتؤدي إلى تكريس الانقسام، بل ربما تكون مثل هذه الأزمة مرغوبة من جانبهم لتوفير ذريعة لإجراء انتخابات في الضفة الغربية وحدها. وهؤلاء هم الذين ساهموا بمقدار ما في خلق تعقيدات استهدفت إحباط الجهود المصرية من أجل المصالحة، والتقوا ضمناً على هذا الهدف مع بعض كبار رجال "حماس" الذين لم يتأخروا لحظة واحدة في استغلال قرار تأجيل الاقتراع في جنيف فأشعلوا الأزمة وأصروا على تأجيل الاجتماع الذي كان مقرراً أن تستضيفه القاهرة اليوم لتوقيع اتفاق للمصالحة بُذلت فيه جهود مضنية. فعندما اكفهرت الأجواء الفلسطينية مجدداً، كان هذا الاتفاق قد أصبح قريب المنال، بعد أن اجتهد الوسطاء المصريون في تجسير الفجوة بين حركتي "فتح" و"حماس" وسلطتيهما وإيجاد صياغات مبتكرة يمكن أن تكون أكثر قبولا لديهما. وكان الإنجاز الأكبر في هذا المجال هو إيجاد صياغة للعلاقة بين سلطتي رام الله وغزة حتى إجراء الانتخابات، بعد أن استحال التوافق على أية صيغة لحكومة وحدة وطنية، وتعذر الاتفاق من قبل على مقترح لتشكيل لجنة فصائلية للتنسيق بين السلطتين. كما كان الخلاف على النظام الذي ستجري به هذه الانتخابات قد ضاق بدرجة غير مسبوقة. وأحدثت زيارة خالد مشعل إلى القاهرة في 28 سبتمبر الماضي، أي قبل أربعة أيام على اجتماع جنيف، تفاؤلا غير مسبوق منذ انهيار اتفاق مكة المشهور. فقد بدت أجواء هذه الزيارة إيجابية. غير أن ما حدث بعد ذلك أكد مجدداً أن مراكز القوة السياسية صاحبة المصلحة في استمرار هذا الانقسام تظل قادرة على تفجير الموقف في أية لحظة. فعندما تختل عملية صنع القرار، يمكن التأثير عليها في اتجاه "أجندات" خاصة ومصالح ضيقة. وحين يقترن ذلك بازدياد التدخلات الخارجية إقليمية ودولية في هذه العملية، لا يمكن استغراب ما آل إليه الوضع الفلسطيني من انهيار. فلم يكف تحرك السلطة في رام الله بسرعة لتدارك الخطأ في موقف حركة "حماس" التي تجاهلت ما أدى إليه هذا التحرك من تصحيح للخطأ الذي ارتُكب في الدورة العادية لمجلس حقوق الإنسان. ولذلك فعندما اجتمع هذا المجلس في دورة استثنائية يومي الخميس والجمعة الماضيين، واقترع مؤيداً تفعيل توصيات تقرير جولدستون، كان المشهد الفلسطيني قد بات أكثر بؤساً وأقل قدرة على استثمار ذلك التطورالإيجابى المهم. وقد يكون هذا مؤشراً على أن حملة "حماس" ضد السلطة لم تكن مجرد رد فعل على خطأ ارتُكب، وإنما هي فعل مقصود ومنظم. أما أن يؤدي كل خلاف مهما كان حجمه إلى مزيد من إضعاف الوضع الفلسطيني، فهذا يعنى أن الحاجة صارت ماسة إلى تغيير في العمق لا يمكن التطلع إليه بدون مصالحة وطنية. فهذه المصالحة هي الخطوة الأولى التي لا بديل عنها البتة لإخراج العمل الوطني الفلسطيني من أزمة ليست كسابقاتها من حيث أنها تفتح الباب حال استمرارها أمام تلاشي القضية التي لم تعد لها أولوية في حسابات أصحابها. وبدون هذه المصالحة، التي توفر الأجواء اللازمة لحوار جاد للتوافق على استراتيجية غائبة الآن، سينتهي الأمر بحركة تحرر من الاحتلال إلى التعايش معه. ولا معنى لتعايش مع الاحتلال إلا الموت الوطني، سواء اقترن هذا التعايش بأشكال من التعاون في الضفة الغربية أو بتهدئة من جانب واحد تحت حصار محكم في قطاع غزة. وهكذا بدا بؤس الوضع الفلسطيني واضحاً ربما أكثر من ذي قبل عندما أنتج خطأ ارتُكب في جنيف خطيئة عطلت مصالحة كان مفترضاً إبرامها في القاهرة.