طرحت تركيا وسوريا، خلال الأسبوع الماضي، خياراً وتجربة جديدين على المنطقة، والعبرة ليست في الاسم "مجلس التعاون الاستراتيجي"، ولا في مدائح الطرفين لما يقترحان عمله في إطار هذا المجلس، وإنما في ملامح الجدية التي يتسم بها "زواج المصلحة" هذا الأول من نوعه في الشرق الأوسط. فهو يأتي بعد عداء طويل كاد يتحول مراراً إلى حرب، وبعد سلسلة إخفاقات لتجارب عربية مماثلة كانت سوريا جزءاً منها، كذلك بعد انتظار تركي يوشك أن يتحول نفاد صبر من قرار أوروبي بقبول تركيا في الاتحاد الأوروبي. لا تزال أنقرة تراهن على تحقيق حلمها في كنف القارة القديمة، لكن نجاحاتها الداخلية غير القابلة للجدل في ظل حكم "العدالة والتنمية" مدّتها بثقة وقابلية للالتفات شرقاً، ولتجد مجالا خصباً لاختبار كفاءاتها في إدارة اقتصاد مزدهر، وخصوصاً لوضع نضج سياسي لا ينفك هذا الحزب الإسلامي يثبته ويقنع به أكثر المشككين الغربيين توجساً بشبهات إرهاب في كل شيء وكل مكان. فحتى التناقض مع "علمانية" حزب البعث وقوميته لم يمنع وضع الخلافات الأيديولوجية عند المدخل قبل الولوج إلى قاعة البحث عن سبل لتبادل الخدمات. ما سمي "النموذج التركي" قطع شوطاً مهماً في اكتساب المراهنة الأميركية عليه، إذ أنه استطاع التعايش بسلاسة مع إدارة جورج بوش رغم الرعونة السياسية للعديد من وجوهها، ويفترض أن تتعايش جيداً مع إدارة باراك أوباما الذي اختار أنقرة لأول خطاب يتوجه به إلى المسلمين كافة. وحتى لو أن الإشعاع الأوبامي آخذ في الانكفاء والانطفاء أمام المسلمين الذين استبشروا به خيراً، إلا أن تركيا أردوغان تمكنت من النأي بنفسها عن الإخفاقات والاهتراءات الحاصلة في سياسة الرئيس الأميركي، وكأنها أكثر ادراكاً -بحكم العلاقة التركية الطويلة مع واشنطن- لما يجب أن تكون عليه السياسة الأميركية. لذا بادرت مثلا إلى إلغاء مشاركة إسرائيل في مناورات جوية مبرمجة مسبقاً، وبالتالي تقبلت إلغاء المناورات، لأنها اعتبرت أن ظروف المنطقة بعد حرب غزة وتعنت حكومة بنيامين نتنياهو في مسألة الاستيطان وتداعيات "تقرير جولدستون" لا تؤهل إسرائيل لتكون طرفاً في هذه المناورات. يضاف إلى ذلك أيضاً وجوب عدم استفزاز إيران طالما أن أجواء المفاوضات معها تبدو أقرب إلى الإيجابية والمعقولية. أقوى ما في الرسالة التي أطلقها التقارب السوري- التركي ليس البعد السياسي أو العسكري، وإنما البعد الاقتصادي التنموي الواضح للعيان. ويكفي أن الخطوة العملية الأولى فيه، اختصت بالمواطنين الذين لم يعودوا يحتاجون إلى تأشيرات دخول، وفي ذلك رمزية مفتقدة بين الدول العربية في أي مشروع تعاوني، من دون إغفال ما هو متبع بين دول مجلس التعاون الخليجي، لكن مع الإشارة إلى أن الخليجيين انتظروا سنوات (بعد تأسيس المجلس) قبل التمتع بسهولة التنقل بين دولهم. ولا شك أن تركيا وسوريا دشنتا نموذجاً يطمح طرفاه بقوة لإنجاحه، وسيبقى محك نجاحه ثنائياً، أما تعميمه وتوسيعه فهذا قصة أخرى. تركيا جاءت إلى هذا الخيار من تجربة داخلية لم تخل من صعوبات، وكان العنصر الحاسم فيها وضع حد للفساد الذي كان دمّر الاقتصاد التركي موضع البلد على رأس قائمة الدول المتسولة. أما سوريا فلديها الكثير مما تستفيده من هذه التجربة التي ستحملها على إعادة اكتشاف ما لديها من مقومات لإنهاض اقتصادها وتحديثه. بديهي أن البلدين استفادا واستوعبا وأعادا صياغة ما عانياه في الماضي، كل على حدة، وبتنافر مع الآخر، وها هما يخطوان باندفاع إلى علاقة سلمية بين دولتين شرق أوسطيتين متجاورتين. وفي ضوء فشل التجارب العربية المشابهة، يبدو الأمر وكأن المنطقة انتظرت دخول عنصر غير عربي لتعيد النظر في خياراتها الاقتصادية والاجتماعية. لم يتبلور مثل هذه التجربة مثلا بين مصر والسودان، أو بين مصر وليبيا، أو حتى مصر وإسرائيل، أو بين الأردن وإسرائيل التي أحدثت الكثير من الجعجعة الكلامية حول "متوسطية" شيمون بيريز، ولعلها لم تفهم حتى الآن أن السلام وحده يمكن أن يتيح إقامة المنظومات الاقتصادية التي ترغب فيها. كان من الطبيعي أن يحرص الجانب التركي على طمأنة من يهمه الأمر إلى أن مجلس التعاون الاستراتيجي مع سوريا ليس موجهاً ضد أحد ولن يكون مصدر مشاكل لأحد. لكن هذا لن يمنع إسرائيل وإيران من اعتبار الحدث ناقوس تذكير لهما بأنهما: إما مبالغتان في تقويم نفوذيهما في المنطقة، وإما أنهما تنقصهما على الأرجح الاستراتيجية الصحيحة لتصريف هذا النفوذ وتفعيله في التنمية والاستقرار. أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة التي درست طويلا إمكانات اجتذاب سوريا وعدم تركها في قوقعة إيران فقد تجد في الخطوة التركية- السورية تحركاً في الاتجاه المطلوب.