أخيراً وبعد التطورات المؤسفة التي شهدها مطلع الشهر الجاري تبنى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة توصيات تقرير جولدستون في جلسته الاستثنائية التي عقدها في السادس عشر من الشهر نفسه. وكانت السلطة الفلسطينية قد طلبت في الثاني من الشهر الجاري إرجاء التصويت على التقرير إلى الدورة التي يعقدها المجلس في مارس 2010 وسط إدانة فلسطينية وعربية واسعة النطاق شاركت فيها منظمات حقوق الإنسان على الصعيد الدولي. وقد بررت السلطة حينذاك قرارها حيناً بالرغبة في حشد مزيد من التأييد للتقرير، وحيناً آخر بضغوط هائلة أميركية وعربية، وحيناً ثالثاً بكون التقرير يدين "حماس" كما يدين إسرائيل، ولكن هذه الحجج كافة بدت غير مناسبة لما اتضح من أن مشروع القرار الذي يتبنى التقرير كان يحظى بأغلبية كبيرة في حينه، ولإنكار عدد من الدول العربية علمها أصلا بطلب إرجاء التصويت، ناهيك عن أن تمارس ضغطاً في هذا الاتجاه، بحيث بقيت تهمة الضغط معلقة برقبة الإدارة الأميركية وحدها. ولأنه شتان بين إدانة التقرير إسرائيل وإدانته "حماس"، فضلا عن أنه مثل فرصة ذهبية للمرة الأولى لملاحقة إسرائيل جنائياً في إطار "الشرعية الدولية". بلغت إدانة السلطة الفلسطينية مبلغها، ولذلك لم يكن أمامها سوى أن تطلب عقد جلسة استثنائية للمجلس لإعادة مناقشة التقرير انتهت بالموافقة على مشروع القرار الذي يتبنى التقرير وتوصياته، لكي تخلف لنا هذه التطورات كلها دلالات بالغة الأهمية. وأولى الدلالات تتعلق بالسبيل إلى الإصلاح إذا جاز التعبير، فقد ارتكبت السلطة الفلسطينية خطأً جسيماً في حق نفسها وشعبها حين طلبت إرجاء التصويت، وللأمانة فإن جسامة الفعل جعلت الأصوات المعترضة عليه تخرج من دوائر السلطة نفسها، كما خرجت من الدوائر التي تعارضها، بالإضافة إلى الاستنكار العربي الواسع شعبياً ورسمياً، وكذلك استنكار دوائر حقوقية دولية ذات مكانة رفيعة. ولذلك لم يكن أمامها سوى أن تستدرك بطلب عقد الجلسة الاستثنائية وإلا تآكلت شرعيتها على نحو يهدد بقاءها ذاته، وهو ما يعني أن الضغوط من أجل الإصلاح لا تفلح إلا في المواقف التي يصبح فيها هو السبيل الوحيد للنجاة من الهلاك، الأمر الذي يشير إلى الصعوبة الهائلة التي تنطوي عليها مهمة الساعين إلى الإصلاح في وطننا العربي. أما الدلالة الثانية فتتعلق بخريطة التصويت على مشروع القرار، ويلفت النظر في الدول التي وافقت عليه عدد من الملاحظات أولاها خاصة بالدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والتي تستطيع بما لها من حق اعتراض أن تقبر التقرير فيه، أما روسيا والصين فقد كانتا ضمن الموافقين على عكس ما أشاعت دوائر في السلطة الفلسطينية ضمن مبرراتها لطلب إرجاء التصويت، وذلك على العكس من الولايات المتحدة بطبيعة الحال التي كانت ضمن الدول الست المعترضة، ولا يحتاج التصويت الأميركي إلى تفسير، لكن اللافت للنظر ما صرح به المندوب الأميركي في المجلس من أن واشنطن كانت تعمل "من أجل إصدار قرار يعترف بحق دولة في اتخاذ عمل مشروع لحماية مواطنيها في مواجهة تهديدات لأمنهم، وفي الوقت ذاته يدين انتهاكات القانون الدولي بغض النظر عن الفاعل"، وهو ما يعني عملا الاعتراف بشرعية العدوان الإسرائيلي على غزة في مقابل إدانة عامة لانتهاك القانون الدولي في سياق هذا العدوان لا تفرق بين الجاني والضحية. أما فرنسا وبريطانيا فقد تغيبتا عن التصويت سواء لعدم إدخال التعديلات التي طلبتها فرنسا، أو "إتاحة المزيد من الوقت لدرس التعديلات" وفقاً لما طلبته بريطانيا. ومن ناحية أخرى يلاحظ أن ست دول من أميركا اللاتينية (تشيلي، وكوبا، والأرجنتين، والبرازيل، ونيكاراجوا، وبوليفيا) كانت ضمن الموافقين، وهو ما يؤكد التحولات التي تشهدها هذه القارة، ويبشر بإمكان بناء جسور حقيقية للتعاون معها، وهو العدد نفسه من الأصوات التي أعطتها أفريقيا لمشروع القرار، وإذا أضفنا إلى هذا أن الدول المعترضة كانت كلها دولا أوروبية (إيطاليا -هولندا -المجر -سلوفاكيا -أوكرانيا) باستثناء الولايات المتحدة فإن الصورة تبدو واضحة: أن تقرير جولدستون قد تم تبنيه بفضل تحالف عربي-إسلامي- أفريقي- لاتيني في مواجهة موقف أميركي متعنت منحاز لإسرائيل مؤيَّد إما بمواقف أوروبية صريحة أو ملتوية. ولعل في هذه الخريطة ما يرشد المجموعة العربية إلى تحالفاتها الحقيقية إن كانت تريد المضي قدماً في المواجهة الدبلوماسية لإسرائيل أو في أية قضية حيوية بالنسبة لهذه المجموعة، ولا يعني هذا بطبيعة الحال إسقاط الولايات المتحدة وأوروبا من الحسابات العربية، ولكنه يقدم للعرب "خريطة طريق" واضحة لمجموعات دولية ما عاد مقبولا منهم أن يسقطوها من حساباتهم. أما الدلالة الثالثة فتشير إلى الشطط الذي تصل إليه المواجهات السياسية أحياناً، فحينما أخطأت السلطة الفلسطينية بطلب إرجاء التصويت على التقرير أشار فريق من المعترضين على سلوكها إلى تهم مشتطة. وظني أن تلك الاتهامات لو كانت صحيحة لما تجرأت السلطة على تعديل سلوكها، وأن كل ما في الأمر أن السلطة لم تتعود على مجابهة الضغوط الأميركية، وخاصة أن دوائر عربية كانت تسير فيما يبدو في الاتجاه نفسه، وأنها -أي السلطة- قد استخفت برد فعل شعبها، وكذلك رد الفعل العربي والدولي. والآن ماذا عن المستقبل؟ لاشك أن النضال الفلسطيني بعد تبني مجلس حقوق الإنسان تقرير جولدستون قد أصبح في موقع أفضل، فقد أصبح الفلسطينيون يملكون وثيقة حقوقية دولية يستطيعون أن يخوضوا استناداً إليها معارك قانونية وسياسية. صحيح أن التقرير سوف يُقبر في مجلس الأمن، ولكن هذا حدث وسيحدث بالنسبة لأية وثيقة من شأنها أن تمس إسرائيل، وصحيح أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ستتخذ قراراً مواتياً لن تكون له آثار تذكر، ولكن الأمل في وصول التقرير إلى المحكمة الجنائية الدولية يبقى قائماً، وكذلك في ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين قضائياً أينما ذهبوا، وهذا هو السبب في أن التقرير قد أحدث صدمة داخل إسرائيل لدى كل من يهتم بالحفاظ على البقية الباقية لما يسمونه الأساس الأخلاقي لدولة إسرائيل. وعلى رغم أننا قد تعودنا من إسرائيل الاستخفاف بكافة الوثائق القانونية التي لا تعجبها فإن ثمة احتمالا قوياً في أنها ستتحسب مستقبلا لهذا العامل المعنوي عندما تشن عدواناً جديداً على الفلسطينيين أو غيرهم. غير أن شيئاً من هذا لن يحدث إذا اكتفت السلطة الفلسطينية والدول العربية من معركة تقرير جولدستون بالنجاح في تبني التقرير داخل مجلس حقوق الإنسان، ذلك أنه على رغم أهمية النجاح الذي تحقق فإنه لا يعدو أن يكون طلقة البداية في معركة شرسة طويلة من أجل فضح المعتدي واستخلاص الحقوق.