لا شكّ في أنّ إشادة وفد "المفوّضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان"، خلال زيارته للإمارات، بدورها الرائد في مكافحة جرائم الاتجار بالبشر، تنطوي على تقدير دولي واضح للجهود التي تقوم بها الدولة في مكافحة هذه الظاهرة الخطرة، فقد أثنى الوفد على الإطارين التشريعي والمؤسّسي في الدولة، ودوريهما المهمّين في الحدّ من هذه الجريمة، كما أبدى إعجابه بتجربة الدولة في إقامة مراكز إيواء لضحايا الاتجار بالبشر من النساء والأطفال والخدمات التي تقدّمها تلك المراكز للضحايا في الجوانب الصحية والنفسية والقانونية. هذه الإشادة الأمميّة المهمّة لم تأتِ من فراغ، وإنما من جهود كبيرة بذلتها الدولة وتبذلها وترتكز على موقف مبدئي مناهض، بكل قوة، تلك الجريمة، يعكسه ما نصّت عليه المادة (34) من الدستور الإماراتي من عدم جواز استعباد أي إنسان وعدم فرض أي عمل إجباريّ على أحد، ويتجسّد أيضاً في ما يتّخذ من تدابير وخطوات عملية على الأرض، لا تتوقف عند حدّ معين، بل تتطوّر باستمرار لتتواءم مع التطوّر الذي تشهده الظاهرة على مستوى العالم أجمع. في هذا السياق يمثّل الإطاران التشريعي والقانوني أحد أهم جوانب استراتيجية الدولة في مواجهة هذه الظاهرة، لما يتضمنانه من قوانين وتشريعات ترقى إلى المعايير العالمية، كان آخرها القانون الاتحادي رقم "51 لسنة 2006"، الذي يتكون من 16 مادة، تتناول جريمة الاتجار بالبشر ومظاهرها المختلفة، باعتبارها أحد عناصر الجريمة المنظّمة، كما يكتسب الدور الذي تقوم به "اللجنة الوطنية لمكافحة الاتجار بالبشر"، التي تم تأسيسها في أبريل عام 2007 أهمية كبيرة، إذ تتولّى اللجنة عملية تنسيق الجهود بين الجهات المعنية داخل الدولة، كما تقوم بعقد العديد من الاجتماعات والأنشطة والزيارات وتنظيم ورش العمل، بهدف متابعة تنفيذ القوانين المعنيّة بهذه الظاهرة. وإضافة إلى ما سبق، يشكّل البعد الاجتماعي جانباً مهماً في استراتيجية الدولة لمواجهة هذه الظاهرة، الذي ينصرف في الأساس إلى مساندة الضحايا، وتأمين الحماية للمتضرّرين، وذلك بتطوير برامج دعم اجتماعي واسعة النطاق تهدف إلى توفير الحماية والرعاية لهم بشكل إنساني سريع وعادل، كما يتم توفير المساعدات المالية والإنسانية الممكنة كلها من أجل دعم الخطط التي تهدف إلى مدّ يد العون لهم على الصعد كافة، وتعزيزها وتوسيعها. أما البعد الثالث في استراتيجية الدولة لمواجهة هذه الظاهرة، فيتمثل في توسيع آفاق التعاون الدولي، والانضمام إلى الاتفاقيات الدولية المعنيّة، والاستفادة من الخبرات الدولية المختلفة في هذا المجال، حيث تحرص الإمارات على الحفاظ على مكانتها كعضو مسؤول وملتزم في المجتمع الدولي، وهي تؤكّد دائماً أهمية المسؤوليات التي تتّسق مع مكافحة الظاهرة العالمية للاتجار بالبشر، كما تبدي استعدادها للتعاون مع الجهات الدولية المعنيّة كافة لضمان سرعة محاسبة كلّ من يرتكب جرائم الاتجار بالبشر أو يخالف القوانين الخاصة بها في الإمارات أو في أي دولة أخرى في العالم. لهذا كله، أصبحت الإمارات نموذجاً يُحتذى به على المستوى الدولي في مواجهة هذه الظاهرة، ليس لأنها نجحت في الحدّ منها وحصرها في أضيق نطاق ممكن فقط، وإنما لأن الاستراتيجية التي تتعامل مع هذه الظاهرة تنطلق من منظور شمولي أيضاً، يأخذ في الاعتبار الأبعاد الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والإنسانية للظاهرة. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية