ليست القضية كم عددهم الذي يختلف فيه بين أربعة وعشرين مليوناً كما يقدر الصينيون أو حوالي ستين مليوناً كما يقدر المسلمون، وليست مدى الظلم التاريخي الذي وقع عليهم في العهود القديمة من تهجير لهم وتوطين لغيرهم كما فعلت الصهيونية في فلسطين بسياسة التوطين الأولى والاستيطان الثانية، وليست القضية أيضاً إحلال جنس "الهان" الصيني بدلا من جنس الويجور المسلم. كل ذلك وارد ذكره المؤرخون وعبّر عنه السياسيون. القضية ما زالت متعلقة بالأدبيات الاشتراكية في الستينيات عن العلاقة بين الأممية والقومية، بين الاشتراكية والوطنية، بين العموم والخصوص بلغة علم أصول الفقه، بين القانون والمصلحة، بين الإنسانية والعنصرية. وهو الإشكال الذي كان وراء النزاع الصيني- السوفييتي عن رغبة الاتحاد السوفييتي السيطرة على الصين باسم الأممية، ورغبة الصين في الحفاظ على سيادتها الوطنية حتى ولو كانت تشارك الاتحاد السوفييتي في الاشتراكية. وهي القضية نفسها التي كانت وراء الخلاف السوفييتي اليوغوسلافي، عندما أراد السوفييت الهيمنة على يوغوسلافيا وأراد "تيتو" الحفاظ على استقلاله الوطني حتى ولو كان اشتراكياً. هو الخلاف بين الماركسية الحرفية التقليدية وليدة القرن التاسع عشر وماركسيات القرن العشرين وليدة حركات التحرر الوطني. هناك ظلم تاريخي وقع على المسلمين في الصين على مر التاريخ من غزو وقهر وتوطين ومذابح واضطهاد ومحاولات للقضاء على الهوية الثقافية دفاعاً عن الوحدة السياسية للصين، وفي إطار أزمة الحريات العامة في النظم الاشتراكية السوفييتية التقليدية والتي كان آخر مظاهر الاعتراض عليها حوادث الميدان السماوي الأخيرة. وكيف يتم فهم ذلك والماركسية حركة تحرر للشعوب وقد ساعدت روسيا والصين معظم حركات التحرر الوطني في العالم الثالث بما في ذلك الوطن العربي والعالم الإسلامي؟ إن وضع المسلمين في الصين وما وقع في إقليم شينكيانج أخيراً باستشهاد المئات وجرح الآلاف واعتقال العشرات يضع المعجبين بالصين اقتصادياً وسياسياً وثقافياً في حرج لأن المسلمين إخوة لهم. ويعز عليهم ما يقع عليهم من قتل وقهر وتدمير. واردات كل شيء أو معظمها من الصين، والمصالح مشتركة مع الصين، وهي قريبة من العالم الإسلامي أكثر من قرب الولايات المتحدة الأميركية له. ومشروعات التنمية تتم مع الصين بعد أن كانت تتم مع الاتحاد السوفييتي. وكل ذلك يضع المسلمين في حيرة، كيف ينظرون إلى الصين، وكيف يتعاملون معها؟ إن الحفاظ على الهوية الثقافية للمسلمين في الصين شيء طبيعي. فقد تتعدد ثقافات الشعوب وتتوحد مذاهبها السياسية. ولا يمكن توحيد ثقافة البشر ولا ألسنتهم، (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)، واختلاف الألسنة والألوان من طبيعة المخلوقات. فغلق المساجد ومنع المدارس القرآنية وإيقاف البعثات التعليمية إلى الوطن العربي والعالم الإسلامي سينظر إليه على أنه مظهر من مظاهر القهر. وقد كان هدف الاستعمار باستمرار في الغرب والشرق القضاء على الثقافات واللغات الوطنية كحوامل لحركات التحرر الوطني. وتعدد الهويات الثقافية في السودان والصومال والمغرب العربي والعراق أمر مشهود. ونظراً لتبني عديد من الشعوب في القارات الثلاث الاشتراكية فإن من الطبيعي أن تتأقلم الاشتراكية مع ثقافة كل شعب ومرحلته التاريخية. فالاشتراكية أهداف عامة وثقافات الشعوب وسائل لتحقيقها. ولعل الحكم الذاتي الموسع أحد الحلول لمسلمي الصين وبوذيي التبت كما هو الحال في النظام الفيدرالي. إذ لا يمكن توحيد شعوب الصين أو الاتحاد السوفييتي تحت نظام مركزي واحد تسيطر فيه ثقافة واحدة ومصلحة واحدة على ثقافات ومصالح الشعوب الأخرى. وهو ما كان سبباً في انهيار الدولة العثمانية بعد ظهور حركات الاستقلال فيها للعرب والأرمن. والاستقلال الذاتي ليس اسمياً بل هو سلطات فعلية اقتصادية وسياسية وتعليمية في إطار من كومنولث عريض تقوم فيه الصين بالدفاع والحماية عن الأطراف، وفي السياسات الخارجية. ويمكن أن يقوم المسلمون في الصين بدور الوسيط بين الشرق والغرب، بين الصين وأوروبا وروسيا جزء منها، وتخفيف حدة التوتر بين الشرق والغرب. فالمسلمون في الصين جزء من الصين سياسياً وذوو علاقة ثقافية مع تركيا باعتبار أن منطقتهم كانت تسمى تركستان الشرقية. جسمها في الصين سياسياً، ولكن لغتها وثقافتها في تركيا روحياً. لذلك ناصرت تركيا كل الجمهوريات الإسلامية المستقلة في أواسط آسيا أثناء المد القيصري من المركز إلى الأطراف والذي استمر فيه المد الشيوعي بعد الثورة البلشفية عام 1917. ويمكن للمسلمين الصينيين أن يقوموا بجمع أصيل بين الاشتراكية حاضرهم، والإسلام ماضيهم، في رؤية إسلامية اشتراكية ربما لم يستطع العرب صياغتها أثناء المد الاشتراكي في الستينيات باستثناء دفاعيات وخطابيات وإنشائيات عن "الاشتراكية والإسلام" بتشجيع من الدولة الاشتراكية، وباستثناء اليسار الإسلامي الذي حاول ذلك كجهد فردي مستقل عن المؤسستين الدينية والسياسية. وإن لم يظهر لدى مسلمي الصين الإسلام الاشتراكي أو الاشتراكية الإسلامية أو الإسلام التقدمي ستظهر الاتجاهات الأصولية المحافظة تنهل من المنبع السلفي القديم، وتحركها الأوضاع النفسية للأقليات المقهورة فتظهر فيها التنظيمات الحديثة المشابهة لـ"القاعدة" التي تدمر كل شيء كما هو الحال في أفغانستان وباكستان والصومال. إن للصين تقديراً كبيراً في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي. فقد استطاعت صناعاتها أن تنافس مثيلاتها الغربية وبأسعار أزهد في الأسواق العربية والإسلامية. كما استطاع نموذجها الفعلي أو الخيالي، العمل الجماعي، النظام، العمل، أن يثير خيال العرب والمسلمين. وتنتج الصين ليس فقط الآلات الصناعية الغربية بل أيضاً المنتجات الشعبية الاستهلاكية العربية، مثل فانوس رمضان، وأشرطة التسجيل، والجلباب والخف، والفول، كما استطاعت اليابان إنتاج الملوخية. والصين مليار وثلث مليار من السكان. والمسلمون حولها، ومعظمهم في آسيا مليار وربع مليار. فالطرفان معاً يكونان حوالي نصف سكان العالم. وأسواق المسلمين مفتوحة للصين. وإمكانية كومنولث صيني- إسلامي ليست مستحيلة تكون الصين فيه قاعدة التحديث كما كان الاتحاد السوفييتي إبان حركات التحرر الوطني في الستينيات. والأمن القومي الصيني من ناحية البر عند المسلمين الذين يحيطون بها كحائط يحميها من الغزو البري من الغرب أو من الجنوب. وهدف الغرب الآن بعد انهيار الاتحاد السوفييتي هو تطويق الصين من الجنوب، وعزلها عن محيطها السكاني الطبيعي. والصين هي القوة الدولية الثانية بعد الولايات المتحدة الأميركية، وربما هي القوة الاقتصادية الأولى من حيث الكم والانتشار. ولم تتحول بعد إلى قوة سياسية مؤجلة مثل اليابان. وهي مع اليابان وكوريا الشمالية تمثل قطباً آسيوياً يعادل القطب الغربي، الأوروبي والأميركي، في عالم يقوم على التكتلات بدلًا من القطب الواحد، مجموعة الثماني، باسم العولمة. وتقتضي حكمة الصين أن تعتبر المسلمين مكسباً لها وليسوا خسارة لها، إضافة لقوتها وليسوا خصماً منها، وهم طريقها إلى العالم الإسلامي الأرحب. كما تقتضي يقظة مسلمي الصين باعتبارهم حلقة اتصال بين شرق آسيا ووسطها وغربها العمل لإعادة التوازن بين الشرق والغرب بدلا من انحيازها للغرب كحليف وحيد.