برز مصطلح "يهودية" الدولة الإسرائيلية في السنوات الأخيرة بوتيرة متسارعة، رغم أنه ليس مصطلحاً حديث العهد. فقد ظهر في كتابات "ثيودور هرتزل"، وفي أدبيات المؤتمر الصهيوني الأول الذي أنهى أعماله عام 1897 في مدينة "بازل" السويسرية. ولطالما كانت فكرة "يهودية الدولة" إحدى ركائز الفكر الصهيوني. والثابت الآن أن كافة الأطياف السياسية الإسرائيلية باتت تتحدث، في السنوات الأخيرة، عن "يهودية الدولة". ومن الواضح أن مصطلح "يهودية الدولة" يمثل في الآونة الأخيرة -ولو تكتيكياً- جوهر ومضمون "الغايات الأسمى" لإسرائيل. بل إن مقولة الدولة اليهودية تحولت، بصورة غير مسبوقة، إلى القاسم المشترك بين مختلف التيارات والكتل والأحزاب والاتجاهات السياسية والاجتماعية والثقافية في إسرائيل على حد سواء. لماذا؟ لأن إسرائيل أدركت أن مصطلح أو مفهوم "يهودية الدولة" هو الشعار الأنجع لإنهاء مضمون القرار 194 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 11 ديسمبر 1948 والداعي إلى عودة اللاجئين الفلسطينيين في أقرب فرصة ممكنة والتعويض عن الأضرار التي لحقت بهم جراء إجبارهم على اللجوء القسري. وبالفعل، فإن معظم التقارير والمقالات الإسرائيلية أولا، والغربية ثانياً، تخلص إلى أن القبول بمصطلح "يهودية إسرائيل" يعني التنازل الفلسطيني والعربي عملياً عن "حق العودة" بشهادة فلسطينية عربية‏،‏ ومنع عودة اللاجئين إلى وطنهم المحتل عام ‏1948‏‏،‏ كي لا تؤثر عودتهم على الديموغرافية الإسرائيلية وطابع "الدولة اليهودي". وهذا المصطلح يتضمن أيضاً توجه إسرائيل نحو طرد فلسطينيي 48 من وطنهم بزعم الحفاظ على نقاء "الدولة اليهودية"‏.‏ كما يخدم هذا المصطلح محاولة جذب مزيد من يهود العالم إلى إسرائيل. فالحركة الصهيونية وإسرائيل تعتبران اليهود، في جهات الأرض الأربع، بمثابة المادة البشرية لتحقيق أهداف إسرائيل التوسعية من جهة، وركيزة لاستمرار المشروع الصهيوني برمته في المنطقة العربية من جهة أخرى. ولقد كان بن غوريون، أحد أبرز مؤسسي إسرائيل، أول من أعلن صراحة عن الفرق بين "الدولة الإسرائيلية" و"الدولة اليهودية" عندما أعلن في الكنيست عام1969، "إننا على أعتاب التحضير لإقامة "الدولة اليهودية" ولكن العقبة التي تواجهنا هي أن أرض فلسطين لا تكفي لاستيعاب كل اليهود إذ لا بد من إضافة أراضي الأردن إليها". ثم فصّل هذا الكلام، في تصريح نشرته صحيفة "جيروزالم بوست" الإسرائيلية، قال فيه إن "إسرائيل يجب أن تستوعب عدة ملايين جديدة من اليهود المهاجرين الذين يحق لهم العودة إلى الوطن، ولهذا لا بد من توسيع حدود الدولة اليهودية بحيث تشمل ضفتي الأردن كي تستطيع مواجهة التفوق العددي للدول العربية وحتى تكون فعلا دولة اليهود". في خطابهم السياسي الاستراتيجي الراهن يحاول الإسرائيليون تكريس ما أسموه "تعهدات" بوش الأب ضمن ما أسموه "رسالة الضمانات" التي بعث بها في 4 يونيو 2004 إلى شارون. تلك الرسالة التي يقال إنها تتضمن تأييد الإدارة الأميركية لموقف إسرائيل القاضي بعدم الاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وتبني الموقف الإسرائيلي الرافض للانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو 1967، وكذلك موقفها القاضي بضم التجمعات الاستعمارية (الاستيطانية) اليهودية في الضفة الغربية للدولة العبرية. ولربما كان أهم ما يُقال إن الرسالة تضمنته هو "تعهد" بوش بأن تكون إسرائيل دولة خالصة لليهود دون غيرهم، خاصة وأنه هو من كان قد قرر، وحيداً، أثناء مؤتمر العقبة عام 2003، بكل صراحة أن: "دولة ديمقراطية فلسطينية توجد في سلام كامل مع إسرائيل، ستحقق أمن واستقرار إسرائيل كدولة يهودية". صحيح أن الهوية الدينية لبعض الدول ليست غائبة تماماً عن عالم اليوم، كباكستان وإيران والسودان (جمهوريات إسلامية)، لكن ذلك لم يعن، ولا يعني إجلاء مواطني هذه الدول من مسيحيين ويهود وبهائيين وغيرهم، لأنها ليست دولا عنصرية، ولا تفهم الهوية الإسلامية بطريقة فهم إسرائيل لهويتها اليهودية. ولو أعلنت فلسطين أنها ستكون دولة إسلامية لقامت الدنيا، ولتم اتهامها بالأصولية والإرهاب! وها نحن نشهد رفض حكومات وقطاعات غربية واسعة دخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي لأنها ذات ثقافة مغايرة ودين مختلف، في حين نجدها تقبل فكرة "الدولة اليهودية". في عام 1947 صدر قرار مجلس الأمن الدولي رقم 181 الذي تم بموجبه تقسيم فلسطين بين العرب واليهود بحيث تنشأ في فلسطين الدولتان المستقلتان "العربية واليهودية"، علماً بأن المساحة المخصصة للدولة العربية كانت يومئذ أكثر من ضعف المساحة التي تم احتلالها عام 1967 في الضفة الغربية وقطاع غزة. فإن كانت الدولة اليهودية التي يتحدثون عنها اليوم هي الدولة اليهودية الواردة في القرار 181، أي بمعنى أنها مقابل الدولة العربية الفلسطينية، فلن تجد معارضاً واحدا في الشعب الفلسطيني والعربي يمكن أن يرفض هذا الاعتراف. وفيما عدا ذلك، فلا نصوص لوثائق دولية ولا حتى تفاهمات تقول بيهودية الدولة. فإسرائيل تتجاهل حقيقة أن الحديث عن إقامة دولة يهودية لا وجود له إلا في قرار التقسيم، وبالتالي إذا أرادت إسرائيل مطالبة الفلسطينيين والعرب والمجتمع الدولي الاعتراف بيهوديتها، ينبغي أن تعلن أمام العالم التزامها بتنفيذ قرار التقسيم. ذلك أن قيام (دولة يهودية خالصة) في فلسطين ينبغي أن يقابل بقبول إسرائيل قيام (دولة عربية خالصة) على المساحة الجغرافية التي حددها قرار التقسيم. وفي سياق متمم، نستذكر أطروحات واستخلاصات "ابراهام بورغ" الرئيس الأسبق لكل من الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) و"الوكالة اليهودية"، والذي طالب بإلغاء "قانون العودة" (لليهود في العالم)، وإلغاء تعريف إسرائيل كدولة يهودية، بالإضافة إلى حصول الإسرائيلي على جواز سفر أجنبي. وهو القائل: "تعريف إسرائيل على أنها دولة يهودية، وأنها بداية الخلاص، أمر قابل للانفجار... وقضية الدولة اليهودية لم تعد مقبولة. فتعريف إسرائيل على أنها دولة يهودية سيكون المفتاح لنهايتها، دولة يهودية تعني أنها متفجرة... أما الحديث عن الدولة اليهودية الديمقراطية، فذلك جميل ويساروي ونوستالجي... إذ هو يمنح الإحساس بالاكتفاء... لكن الدولة اليهودية الديمقراطية هي نيتروجليتسيرين (أحد مكونات الديناميت سريع الاشتعال)" القادر على إضرام النار في المشروع الصهيوني.