إذا كنا أكدنا من قبل ضرورة الخروج على نص العولمة حتى نستطيع أن نستكشف مختلف أبعادها، ونستطلع آفاقها المتنوعة التي تتعلق بالأبعاد السياسية والاقتصادية والثقافية، فلا يكفي الوقوف عند إدراكات النخب السياسية العربية الحاكمة لمنظومة العولمة المركبة، ولكن لابد لنا أن نتجاوز الواقع لكي نتحدث عن المستقبل. وبعبارة أخرى فإن العولمة -بحكم طبيعتها كعملية ديناميكية متطورة- تدفع الشعوب الحية والنخب السياسية والثقافية في مختلف بلاد العالم، لكي تعبر حدود الواقع وتخطط للمستقبل برؤية بصيرة، ومعرفة عميقة بتحولات النظام العالمي. هكذا فعلت النخبة السياسية الأميركية الحاكمة حين أخرجت الوثيقة بالغة الأهمية \"العالم 20/20\". ويلفت النظر في هذه الوثيقة المهمة أنها حددت معالمها الرئيسية ليس فقط نتيجة التحليل الدقيق لمختلف الإنجازات العالمية الصناعية والتكنولوجية وللتغيرات الثقافية الكبرى التي شقت طريقها في أرض الواقع، ولكن من خلال مقابلات ميدانية متعددة أجريت مع النخب السياسية والثقافية في مختلف قارات العالم! والمنطق الكامن وراء هذه المنهجية الفريدة، أنك لا تستطيع -مهما حاولت- أن ترسم مستقبلك بغير أن تتعرف بدقة على الطريقة التي يدرك بها الآخرون مستقبلهم. وبعبارة أخرى هناك علاقة جدلية بين تصور \"الذات\" وتصور \"الآخر\"، ومن هنا أصبح حوار الثقافات وليس صراع الحضارات ضرورة حتمية. وذلك لأن لكل ثقافة رؤيتها الفريدة للعالم، التي تصوغ على أساسها استراتيجيتها في التعامل مع الثقافات الأخرى. هل يمكن للولايات المتحدة الأميركية -على سبيل المثال- باعتبارها القوة الأعظم في العالم، أن تملك ترف عدم المعرفة العميقة برؤى العالم الصينية واليابانية والروسية؟ وهل كان يمكن للولايات المتحدة، أو غيرها من دول العالم أن تتعامل بكفاءة مع اليابان، بغير أن تتعمق في معرفة رؤية العالم اليابانية الفريدة؟ إن تاريخ اليابان بعد الحرب العالمية الثانية يتمثل في هيمنة الولايات المتحدة عليها بعد هزيمتها الساحقة، نتيجة لإلقاء القنبلة الذرية على نجازاكي وهيروشيما. وقررت أميركا أنها لابد أن تعيد صياغة النظام السياسي الياباني ليتحول من الفاشية إلى الليبرالية، عن طريق إصدار دستور جديد، وإشاعة القيم الديمقراطية في المجتمع. ولكن بالإضافة إلى ذلك قررت الولايات المتحدة افتتاح مركز في طوكيو لتدريب المديرين اليابانيين على طرق الإدارة الأميركية التي أثبتت تفوقها في كل بلاد العالم. وخرّج هذا المركز مئات المديرين اليابانيين الذين قادوا من بعد \"المعجزة اليابانية\". غير أن سخرية التاريخ تتمثل في أن الإدارة اليابانية أثبتت عملياً تفوقها على نظم الإدارة الأميركية إلى درجة أن بعض الشركات اليابانية غزت السوق الأميركية واشترت عديداً من الشركات الأميركية التي أفلست، نتيجة لفشل الإدارة الأميركية، وأعادت صياغتها على الطريقة اليابانية ونجحت نجاحاً ساحقاً. ولذلك لم يكن غريباً أن يتحول مركز التدريب الأميركي الشهير الذي أسس عقب الحرب العالمية الثانية في طوكيو لتدريب المديرين اليابانيين على طرق وأساليب الإدارة الأميركية، إلى مركز لتدريب المديرين الأميركيين على نظريات الإدارة اليابانية، اعترافاً بالتفوق الياباني المشهود! وإذا نظرنا -بعد أمثلة الصين واليابان- إلى النهضة القومية الحالية لروسيا الاتحادية بقيادة \"بوتين\" الذي أعاد صياغة رؤية العالم الروسية، حتى تعود روسيا من جديد قوة عظمى عسكرياً وتكنولوجياً واقتصادياً، ندرك أنه من المنطقي أن يتعمق الاستراتيجيون الأميركيون في دراسة الأوضاع الروسية الجديدة، التي قد تؤدي في الأجل المتوسط إلى تغيير جوهري للنظام العالمي، وتحويله من نظام أحادي البعد إلى نظام متعدد الأقطاب. وفي ضوء هذه الأمثلة يمكن القول إن المواطن العربي يحتاج في الوقت الراهن -أكثر من أي وقت مضى- إلى مشروع حضاري شامل. وفكرة المشروع الحضاري مطروحة منذ سنوات، وهي تعني في المقام الأول رؤية متسقة للعالم، بمعنى نظرة محددة للكون والمجتمع والإنسان، تصاغ على أساسها سياسات اقتصادية وثقافية متكاملة، من شأنها إعادة تشكيل المجتمع وفق خطوط ترقى إلى مستوى التحدي الراهن الذي تمثله الثورة العلمية والتكنولوجية. وإذا كانت أدبيات التنمية العالمية قد هجرت الآن في غالبيتها مفهوم \"المشروع الحضاري\"، لأنه أحياناً ينطوي على فكرة التخطيط البعيد المدى والذي قد يمتد إلى نصف قرن أو أكثر، مع الاستحالة العلمية الآن لهذا النمط من التخطيط، فإن مفهوماً آخر قد حل محله وهو مفهوم \"الرؤية الاستراتيجية\". وتعريف هذا المفهوم أنه \"جماع السياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يضعها موضع التنفيذ مجتمع ما، لكي تطبق في فترة الربع قرن القادمة\". وهناك منطق للاكتفاء بالتخطيط لخمسة وعشرين عاماً فقط، يكمن في أننا -بعد سقوط النظام العالمي ثنائي القطبية- نعيش في عالم عادة ما يوصف بأنه يتسم بعدم اليقين وبعدم القدرة على التنبؤ. ومن ثم تم الاتفاق بين كبار الباحثين في ميدان التنمية البشرية على أن التخطيط لفترة ربع قرن قادمة، هو هدف علمي يمكن تحقيقه بدون المبالغة في الأحلام، أو الإسراف في الوعود، التي لا يستطيع نظام سياسي معاصر -مهما كانت درجة تقدمه- أن يحققها. ومن الطبيعي أن تختلف الرؤى الاستراتيجية في دول الشمال عنها في دول الجنوب. فدول الشمال المتقدم أنجزت منذ عقود طويلة ثورتها الصناعية، ودخلت بأقدام ثابتة عصر الثورة العلمية والتكنولوجية، وها هي تتأهب لدخول مجال الثورة الثالثة، وتعني ثورة المعلومات والمعرفة. وقد استطاعت هذه الدول -نتيجة عوامل تاريخية شتى- منها استعمار دول الجنوب ذاتها واستنزاف مواردها ونهب خيراتها، وبحكم تقدمها التكنولوجي، أن ترفع مستويات شعوبها وخصوصاً في الحقبة التي تلت الحرب العالمية الثانية، حيث تخلقت دولة الرفاهية التي استطاعت مد شبكة التأمينات الاجتماعية إلى قطاعات واسعة من البشر، وتمكنت من رفع معدلات التنمية، ومعدلات الدخل الفردي إلى نسب غير مسبوقة. وقد أدى ذلك كله -على رغم الفجوات الطبقية ودوائر الفقر هنا وهناك- إلى الارتقاء بنوعية الحياة بصورة ملحوظة، كشفت عنها المؤشرات الكيفية والكمية. أما دول الجنوب التي عانت من الاستعمار والهيمنة الأجنبية عقوداً ممتدة من السنين، فهي منذ حصول أغلبها على الاستقلال في الخمسينيات، وهي تحاول الدخول في عالم التصنيع الذي تجاوزته الدول المتقدمة. وفي هذا المجال حقق بعضها شيئاً من النجاح، غير أن المحصلة النهائية لعصر التنمية في الجنوب كانت للأسف سلبية. ويرد فشل دول الجنوب في تحقيق الطفرة للحاق بدول الشمال المتقدمة، إلى عديد من العوامل، لعل من أهمها استمرار الهيمنة الأجنبية في التدخل في سياسات هذه الدول، بالإضافة إلى سيادة النظم الاستبدادية، وقمع الحريات، والافتقار إلى الممارسات الديمقراطية، وفساد الحكام والنخبة السياسية. وإذا أضفنا إلى ذلك كله الميراث التاريخي القديم، الذي يتمثل في التخلف بكل أنماطه بشكل عام، والأمية وانخفاض الوعي الاجتماعي، أدركنا جسامة مهمة التنمية حتى لو خلصت نيات النخبة السياسية. وأياً ما كان الأمر، فإن الإجابة على سؤال، ما العمل؟ ونحن على أبواب عصر العولمة، هو أنه ليس أمام دول الجنوب عامة، والوطن العربي بخاصة سوى تبني رؤية استراتيجية عصرية، تتضمن أولا إرادة سياسية حاسمة للتغيير، وتتكامل فيها السياسات. فتحتاج أولا إلى سياسة علمية وتكنولوجية تعبئ الطاقات العلمية والتكنولوجية لإبداع التكنولوجيا الملائمة، وتحتاج ثانياً إلى سياسة اقتصادية بصيرة لا تفتح الباب واسعاً وعريضاً لحرية السوق فقط، بقدر ما تهدف إلى التوازن بين التخطيط -مع التركيز على دور الدولة- وبين القطاع الخاص، وتحتاج ثالثاً إلى سياسة ثقافية تتصدى بجسارة لمحو الأمية السائدة بين أكثر من نصف الشعب العربي، وتحتاج أخيراً، ومن المؤكد أولا، إلى تطوير للنظام السياسي والانتقال من الشمولية والسلطوية إلى الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان. والواقع أن غياب السياسة العلمية المتكاملة يعد أحد الأسباب الكامنة وراء التخلف العربي. وذلك لأن أسباب التقدم لا يمكن التماسها من خلال استيراد النظريات الجاهزة التي صيغت في البيئات الأجنبية، والتي قد لا تصلح للتطبيق عندنا. كما لم تبذل محاولات عربية أصيلة في مجال توطين التكنولوجيا، لأن القطاع الخاص الذي أصبح الآن مسيطراً على النشاط الاقتصادي في الغالبية العظمى من الدول العربية تقاعس عن الاستثمار في البحث والتطوير، ويؤثر أن يستورد المصنع بطريقة \"تسليم المفتاح\"، بدون أي جهد لتشجيع الابتكار الوطني. ومعنى ذلك تأبيد الاعتماد على الخارج بدون محاولة لتشجيع الإبداعات الوطنية، مع أن كل الدول التي اجتازت بنجاح عتبة التخلف وانطلقت في مجال التقدم اعتمدت على البحث العلمي وتوطين التكنولوجيا، مما ساعدها من بعد على تصدير التكنولوجيا، وخصوصاً في مجال الاتصالات وبرامج الكمبيوتر إلى الدول المتقدمة، وتراجَع في هذا الصدد بالذات حالات الهند والصين وماليزيا. ومن الأهمية بمكان في الرؤية المستقبلية العربية إقامة التوازن بين حق الدولة في الإشراف الاقتصادي وحرية السوق. وقد ثبت -بعد الأزمة المالية الأميركية الأخيرة- أن اختلال هذا التوازن هو الذي أدى إلى الانهيار الاقتصادي الكبير. غير أن كل ذلك لا يمكن أن يحقق أهداف الرؤية المستقبلية بغير سياسة ثقافية متكاملة تهدف أولا إلى محو أمية ما يقرب من 40 في المئة من مجموع الشعب العربي من ناحية، ورفع الوعي الاجتماعي العام من ناحية أخرى.