ضجة مشتركة في الكويت ومصر حول قضايا الحجاب والنقاب، ففي الكويت عادت مطالبات النواب بضرورة التقيد باللباس الشرعي متمثلاً في الحجاب، وفي مصر تقوم الدنيا ولا تقعد على موقف شيخ الأزهر من ارتداء النقاب. وهكذا انشغل الجميع بقضايا خلافية وانقسم الجميع بين هذا وذاك، وأُهملت قضايا مصيرية تواجه البلدين، لتتبدد الطاقات في غير مكانها، وبذلك نكرر الخطأ بعد الخطأ ونبتعد عن العقل ونصر على السير في درب الضياع والوهن، وليدفع الكثير من شبابنا ثمن ذلك الضياع، فيتوجه بعضهم إلى طريق العنف، وبعضهم الآخر إلى الانحدار نحو الجريمة والمخدرات هروباً من الواقع المرير الذي تعيشه الأمة. شيخ الأزهر منع طالبة من دخول الجامعة لكونها ترتدي النقاب، مؤكداً أن النقاب عادة وليس من تعاليم الشرع، ومن ثم حدثت الضجة على مستوى الشارع، بين مؤيد ومعارض. وفي الكويت، يُهدر وقت مجلس الأمة ووقت القضاء الكويتي للبت في قضية اللباس الشرعي، حيث أُحيل الموضع إلى المحكمة الدستورية للفصل فيه. وهكذا تُهدر أوقاتنا وأوقات مؤسساتنا، ولا ندرك كيف نواجه الأمر في الوقت الذي على الدولة فيه أن تبدي موقفها وتقوم بدروها الريادي، باعتبارها السلطة التي تحدد مسار المستقبل ولا يمكنها الاستمرار في صمتها. في الكويت، هناك قانون يمنع المنقبة من قيادة السيارة، إلا أنه قانون معطل لا تجرؤ الدولة على تطبيقه. لكن إذا كانت الدولة غير قادرة على تطبيق قوانينها، فلماذا تصدر قوانين تضعف بها هيبتها وكأنها تدعو الناس إلى مزيد من التحدي للقانون والنظام العام. عندما قرأت الخبرين، في مصر والكويت، تذكرت جامعة العلوم التقنية في المملكة العربية السعودية، والتي حضر افتتاحها عدد كبير من زعماء العالم، وكانت بحق جامعة على مستوى عالٍ يؤكد الرغبة السعودية في بناء مؤسسات علمية. وما لفت انتباهي هو أن الجامعة مختلطة، وهي خطوة جريئة تحسب لخادم الحرمين الشريفين، لا سيما وقد علمنا أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُحظر عليها دخول الحرم الجامعي، مما يؤكد النية نحو توجهات جديدة تحد من حالة الحصار الذي فرضته الهيئة التي لا ترغب في فهم حقيقة الواقع المعاصر المعيش وتصر على عزل وتهميش حق الآخرين في التعبير عن حقوقهم كمواطنين. نحن أمام تحولات كبيرة وضخمة، ولا يمكن أن نعزل مجتمعاتنا عما يحدث في العالم. واليوم تتجاذب مجتمعاتنا قوى كل منها يرى الحق معه ولا يقبل الرأي الآخر. وبالرغم من إيماني الشخصي بأن النقاب هو عادة، كما قال شيخ الأزهر وليس له علاقة بالدين والشرع، إلا أنه يقع ضمن دائرة الحرية الشخصية، وهو أمر محير بالنسبة لي، حيث المنقبات يتجولن في أوروبا بحرية، وفي الوقت نفسه أجد نفسي في حالة صراع داخلي حول كيفية فهمنا للحرية الشخصية وحرية المجتمع. هناك تحولات تحدث دون أن نعي بخطورتها، لكون الدولة غافلة ولا تجرؤ على مواجهة الواقع. والدولة تملك كل الأدوات اللازمة للتأثير في الرأي العام، إلا أن ما يزعجنا هو حالة التردد في اتخاذ القرار، مما يدفع الكثير من شرائح المجتمع للدخول في طريق الضياع، خصوصاً هؤلاء الشباب الذين يفتقدون النموذج ويجدون أنفسهم أمام تناقضات وتصيبهم الحيرة في تفسير ما يحدث. أجد نفسي في حيرة حقيقية في فهم توجهات الدولة في بلداننا، ولماذا تقف مكتوفة الأيدي أمام هذه التحولات؟ وماذا تستفيد وتحقق على المدى البعيد أو القصير من سياساتها الخجولة؟ وهناك أسئلة كثيرة تحير المرء، إلا أنها أسئلة أجد لها إجاباتها، وتتجسد في عجز هيكلي في فهم دور الدولة في القرن الحادي والعشرين. ويبدو لي أن التناقضات كبيرة، لكون الدولة تعيش في مأزق بين دورها الأبوي الذي لا تريد الانفكاك منه، وبين مفهوم الدولة الحديثة الذي يجعل المواطن شريكاً في صناعة التطور.