منحت جائزة نوبل للسلام هذا العام للرئيس الأميركي أوباما، لكننا لم نعرف حتى الآن ماذا فعل أوباما أكثر من كونه رئيساً لأكبر دولة تحتل المعمورة بـ65 قاعدة عسكرية، وتدفع حاملات طائراتها في مياه العالم بكلفة 4 مليارات دولار لكل حاملة... إلا إذا كانت الجائزة تمنح على مجرد النوايا والوعود! ومن الغريب أن هذه الجائزة منحت لمناحيم بيجن، الصهيوني، وحرم منها غاندي، رمز السلام ومدشن أسلوب المقاومة السلمية وداحر الدكتوتوريات والإمبراطوريات. والآن تمنح الجائزة لمن حج إلى \"أورشليم\"، واعتمر الطاقية الصهيونية، وهز رأسه بجنب \"حائط المبكى\" وعند نُصُب الهولوكوست! حقيقةً، إن ذاكرة الشعوب قصيرة، والعالم الذي نعيشه اليوم غابة. وكما تنوعت الضواري التي تسرح في السفاري، كذلك الحال في الغابة العالمية اليوم: بين أسد أميركي، وفيل هندي، ودب روسي، ونمر صيني، وذئب ياباني، ونسر أوروبي، وثعلب صهيوني.. إلخ. \"القوي يأكل الضعيف\"، كما ينص قانون الغابة، كذلك الحال في غابة العالم. وحين لا يرضى ملك الغابة عن مفترس يتجرأ ويتكلم في حضرته عن العدالة العالمية ودور مجلس الأمن، بينما هو يفترس الغزلان والأرانب... فهو مُفرّط ببقائه على قيد الحياة. وفي عالم \"الحيوان\"، يتعرف المرء بسرعة إلى الكائن من جلده وأنيابه، لكن في عالم \"الإنسان\" يبتسم الرأسمالي بأسنان بيضاء، ويعلق \"كرافتة\" حمراء، ويلبس نظارة جورجيو أرماني، ويكذب بقدر جبل. وصدق \"جورج أورويل\" حين قال إن الخنازير هي التي ستدير العالم، فتسرق بيض الدجاج، وتسخَّر الحصان لبناء طاحونة، وتسيطر على الجميع، بكلاب شرسة مدربة على العض. وعندما يموت ابن الأسد تبكي كل الغابة، وتزدحم الوفود على بابه للتعزية، وحين توزع الجوائز فله حصة الأسد؛ لأنه أسد الغابة! وما يصدر من أميركا حالياً هو الذي يسود، حتى المصطلحات، فهم الذين عمموا كلمة \"العولمة\" لالتهام العالم، و\"الأصولية\" بحقنها بمزيد من الأصولية. فهم الذين يفصلون، ونحن الذين نلبس. والعالم اليوم لم يعد كما كان من قبل، فكما نشرت أميركا الرعب، فقد أصيبت بالداء نفسه، ولم تعد أميركا التي نعرف. ويبقى العدل أرخص من كلفة ديناصورات الأمن... لكن من يستوعب الدرس؟ جاء في كتاب \"أفضل الخرافات\"، لمؤلفه جان لا فونتين (1621 - 1695) عن اعترافات الأسد والحمار عندما ضرب الطاعون الغابة، أن الجميع وقف يتضرع إلى الله أن يرفع عنهم البلاء. فقال الأسد: يجب أن نعترف بذنوبنا فنقدم الأضاحي، وسأكون أول المعترفين: أعترف لكم أني لم أقاوم شهيتي، فأكلت الكثير من الخرفان، مع أنها لم تؤذني قط، بل كنت أتذوق لحوم الرعاة، وكأنها فطيرة محشوة... فإذا دعت الحاجة، فأنا مستعد للموت، لكن على الآخرين أيضاً أن يعترفوا بذنوبهم. همهم الجميع: نعم... نعم، ثم قفز الثعلب وقال: كيف تقول ذلك يا ملك الغابة. إنك يا سيدي ملك جيد، وإن وساوسك هذه لمرهفة الإحساس، أكثر مما ينبغي، ولعمري إن الخراف قطعان نجسة فظة، تستحق أن تفترسها ومعها الرعيان. هكذا تكلم الثعلب، فتعالت الهتافات بحياة ملك الغابة. ولم يجرؤ أحد على مراجعة ذنوب النمر والدب والنسر والثعلب والضباع... فقد اتفق الجميع أن كلاً منها بريء بلا ذنوب. وهنا وقف الحمار فقال: يا قوم أريد أن أعترف: لقد مررت بجانب دير فأعجبني اخضرار عشبه؛ فقضمت منها قضمة، وكذلك سولت لي نفسي... بصراحة... وهنا ارتفعت أصوات الاستهجان، تندد بالحمار المجرم. وشهد ذئب وثعلب: أيها الحمار اللعين؛ لا تتابع فقد عرفنا مصدر البلاء، وشهدت بقية حيوانات الغابة على الحمار، حكم الجميع عليه بأنه لا يصلح لشيء سوى أن يكون طعاماً للمشنقة. ثم وقفت حيوانات الغابة إجلالاً للأسد؛ فقد حُلت جميع مشكلات الغابة! فهل أيضاً، وعلى الطريقة نفسها، ستحل نوبل أوباما مشكلات الفقر والجوع والأوبئة والتفاوت الحاد... وغياب السلام، في العالم؟!