يجدر الاستهلال بتجربة عباسية، عميقة الدلالة، وهي بعد أن استردت الخلافة هيبتها من قادة الجيش الأتراك، واشهرهم وصيف وبغا، حتى قيل: \"يقول ما قالا له كما تقول الببغا\" (الصابئ، الوزراء). وجاءت مشورة الوزير ابن الفرات (قتل 312 هـ) لإبعاد أهل الكفاءة، ليس على مستوى الوزراء والمديرين، مثلما هي الحال الجارية، إنما على مستوى الخلفاء. فعندما كان الرأي أن يستخلف ابن المعتز (قتل 296 هـ)، وهو فهامة وأديب وصاحب يراع، اعترض ابن الفرات بالقول: اتقوا الله ولا تنصبوا \"في هذا الأمر مَنْ قد عرفَ دار هذا، ونعمة هذا، وبستان هذا، وجارية هذا، وضيعة هذا، وفرس هذا، ومَنْ لقي النَّاس ولقوه، وعرف الأمور وتحنك، وحسب حِساب نِعم النَّاس\" (مسكويه، تجارب الأمم). لذا حلَّ الصبي جعفر المقتدر (قتل 320 هـ) خليفةً، فصارت بغداد وأمصارها تحت يد مَنْ عرفوا آنذاك بـ\"السادة\": خال الخليفة وأم الخليفة وقهرمانتها (الصابئ، رسوم دار الخلافة) ليحكموا بغداد وأمصارها خمس وعشرين سنةً! حتى احتاج القصر الاستدانة من أم الخليفة لدفع رواتب الجند. تلك التجربة تكررت على بغداد كثيراً، لكنها في الوقت الراهن تبدو ثقيلة إلى أبعد حدٍّ، فكل وزير ورئيس إدارة تجده سلطاناً بما تحت قبضته، ولا يسمح لمَنْ يفضح ممارساته في هذا الشأن أو ذاك. نعم، أكثر من عطب في مفاصل الدولة العراقية، بعد حلِّها ورمي الآلاف المؤلفة من أصحاب الوظائف والمراكز العلمية والتعليمية والثقافية والعسكرية إلى المجهول، تحت أكثر من ذريعة، وفي مقدمتها التعاون مع النظام البائد، إلا أن إعادة التأسيس كانت أشدَّ من حلِّ الدولة نفسها، فإنها لم تعتمد الكفاءة ولا المواطنة، وإنما اعتمدت سنوات الجهاد، وأخذ التعيين في الوظائف يتم عن طريق تزكية من الأحزاب والأقارب. صحيح أن هناك مصاعب بيئية ومالية، فالعراق مازال يخضع للبند السابع في أنظمة الأمم المتحدة، منذ غزو الكويت (1990)، لكن بقدر ما يستخدم هذا الأمر ذريعة، لا يُذكر كم دخلت العراق من إيرادات النفط، فحسب خبير اقتصاد النفط فاضل الچلبي أنها بلغت 173 مليار دولار، هذا الرقم الصافي بين عامي 2003 و2008، والموثق دولياً، من غير الموارد الأخرى. إذن لا شح في الموارد، لكن كم حصة الفساد المالي منها؟ وبيد مَنْ تدار خدمات الدولة؟ صحيح أن ديمقراطية الغرب، صدقاً لا رياءً، تعتمد وزراء من غير ذوي الاختصاص، لكن تلك المراكز سياسية لا يتدخل الوزير في شأنها الفني، مؤسسات ثابتة تدار من قبل التكنوقراط. أما في العراق، فالدولة بحاجة إلى إعادة تأسيس بعد خراب، بمعنى أنها بحاجة إلى وزراء علماء في مجالات وزاراتهم لا سياسيين، ومن اليوم الأول من التربع على كرسي الوزارة تبرز طاويسيتهم الفارغة. فأمام الملأ قال أحد الوزراء بعد التنقل بين ثلاث وزارات، لا تشبه إحداها الأخرى: هذه الوزارة لعبتي! وهنا يدخل عامل الغرور، ومخيال السوبرمان. لم يخل تاريخ الدولة العراقية من وزراء، على شاكلة وزراء الغرب، قبلوا المنصب مع ترك الفعل لأهل الاختصاص، هذا ما مارسه وزير المعارف عبدالحسين الچلبي (ت 1939). قال عنه رئيس الوزراء الأسبق محمد فاضل الجمالي (ت 1997)، حين عمل تحت أمرته في المعارف: \"عُرف بالتواضع أمام العلم والاختصاص، عالماً أن مهمته كوزير للمعارف مهمة سياسية، لا مهمة رجل اختصاصي، فلم يكن يتدخل في الأمور الفنية بل كان مؤيداً للاختصاصيين في تحقيقها وتنفيذها\" (بصري، أعلام السياسة في العراق الحديث). ولا أظن أن وزيراً ممَنْ حصل على حقيبة الوزارة من غير ذوي الاختصاص، تحلى بهذا التواضع، بل تجده عمد إلى إخلاء وزارته حتى لا يبقى مَنْ هو أرجح منه درايةً. أما أن يرد أحد علينا ويقول: إن مؤتمرات عُقدت لأصحاب الكفاءات، ببغداد أو خارجها من العواصم، لكن ليس هناك مَنْ يريد تحمل الظروف الصعبة داخل العراق. نعم، عُقدت مؤتمرات، لكنها مؤتمرات إعلامية حسب، تنتهي بعد الظهور أمام شاشات الفضائيات، وأنها جمعت الغث والسمين، فالشهادات المزورة بلا حياء وصلت إلى حد مرعب على مستقبل العراق، إضافة إلى أن دعاة المؤتمرات أنفسهم بلا كفاءة، ومَنْ يا تُرى يقبل دعوة سفير، أو رئيس جامعة على سبيل المثال، لا يثق بمؤهله وبمستواه العلمي والعملي؟! ما بين زمن تنفير الكفاءات وزمن استيعابها بون شاسع، يعرف الكثيرون عندما طُلب اختيار رئيس لجامعة بغداد، قُدم اسمان: المؤرخ عبدالعزيز الدوري، وعالم الفيزياء عبدالجبار عبدالله (ت 1969)، والأخير عاد إلى العراق بعد رفضه إغراءات الجامعات الأميركية للعمل هناك، فتخصصه وعلمه لا يُضاهيان، وتوقف مجلس الوزراء أمام الاسمين: الدوري وعبدالله، ورجحت كفة الأخير من الناحية الأكاديمية والعلمية، بينما رجحت كفة الأول من ناحية النسب والدين، فعندها سأل عبدالكريم قاسم (قتل 1963): أليس عبدالجبار عراقياً وأكثر أعلمية! فلا يهم إن كان مسلماً أم صابئياً. كذلك لم يتوقف العهد الملكي عند ديانة ومذاهب أهل المناصب كثيراً، فكان عبدالجبار وكيلاً لرئيس جامعة بغداد (العبودي، سفير العراق العلمي). كنا تلاميذَ بالمدرسة الابتدائية ونسمع بأسطورة عالم الفيزياء، ومنها أنه خرج حاملاً المظلة والسماء كانت صحواً لا نتفة سحاب تلبدها، لكن إذا بها تمطر بعد لحظات! أتيت بهذه الحكاية لشهرة هذا الرجل، ولجودة العقول آنذاك وما هو موضوع خيالاتها، وأي أسماء كانت تتداولها، لأقابلها بخوارق وشعوذات الحاضر المنقولة عن كتب الكرامات التي يؤمن بها ويتناقلها رؤساء جامعات وعمداء كليات اليوم، وعبر وسائل الإعلام. إلا أن بيتاً قاله الشيخ محمد باقر الشبيبي (ت 1960) ينفع عزاءً من خسارات فادحة: \"أما العراق فإن في تاريخه... شرفاً يضيء كما يضيء الفرقد\" (عزَّ الدين، الشعر العراقي الحديث). ومن بقية ذلك الماضي في النفوس، أن جماعة، من حاملي العقول النيرة، ألحت على مجلس الوزراء ليصدر أمراً بتسمية قاعة من قاعات جامعة بغداد، وشارعاً من شوارع العاصمة باسم العالم المذكور. لكن، يبقى التنفيذ! أرى في هذه البادرة نوعاً من ردِّ الاعتبار لهذا العلم الذي يُذكر بعلماء أهل دينه الكبار في الزمن العباسي من وزن سنان بن ثابت وثابت بن سنان، بعد أن أُهين أشد الإهانة عِقب انقلاب \"البعث\" الأول (شباط 1963)، بما يعف القلم عن ذكر تفاصيله، وأُخرج من رئاسة الجامعة ليحل محله عبدالعزيز الدوري، والأخير أصلح أيضاً لهذا الموقع فهو أحد علماء التاريخ المعدودين، لكنه وافق سلطات ذاك الزمان وأصدر أمراً أجتث فيه عصبة من الأساتذة الكبار. على أية حال، الشكوى بليغة من استبعاد خبراء في المال والنِفط والتجارة والاقتصاد؛ لأن الوزير لا يتحمل الأرجح منه علماً، ولأن المثقف كامل شياع كان يعرف كيف تبنى الثقافة، ويرى أمام عينه كيف يتصرف الوكلاء الطواويس، وكيف تقوم المحاصصة... جرى تنفيره، لكن برصاصة. ومازالت الدوائر المسؤولة تمتنع عن إجراء أولويات التحقيق! هذا مثال دامغ على مصير الكفاءة النفيسة، وما أكثرها تنتظر داخل العراق وخارجه، فكيف يريدوننا أن نتوهم العكس! غفر الله للوزير ابن الفرات في سَنه تلك السُنَّة اللعينة لبغداد.