أصدر المجلس الأعلى للأزهر بياناً يمنع فيه الطالبات والمدرسات من ارتداء النقاب داخل الفصول الدراسية الخاصة بالفتيات والتي تكون فيها المدرسات من النساء فقط. وقد حرص البيان على توضيح أنه ليس ضد النقاب وأن تستخدمه المرأة في حياتها الشخصية، لكنه ضد استعمال هذا الحق في غير موضعه، كما حدد البيان نطاق حظر النقاب بأنه فقط داخل الفصل الدراسي الخاص بالبنات والذي تقوم بالتدريس فيه مدرسات فقط، وقد استند البيان الى أربع حيثيات: 1- الحرص على نشر الفهم السليم للدين بين الفتيات جميعاً وغرس الثقة والانسجام بينهن. 2- أن الإصرار على استخدام النقاب في محيط كله نساء، لون من التشدد، تأباه شريعة الإسلام. 3- لا معقولية استخدام النقاب في مكان كله من السيدات. 4- استخدام النقاب في غير موضعه، ترسيخ لرأي الأقلية من الفقهاء الذين يرون أن وجه المرأة عورة وكشف الوجه معصية وإثم، ويترتب عليه غرس ذلك في عقول الصغار من الفتيات وأهلهن الذين يجبرون بناتهم الصغيرات على ارتداء النقاب، خلافاً لرأي جمهور الفقهاء الذين لا يرون وجوبه. ويأتي البيان على خلفية تصريحات شيخ الأزهر الدكتور طنطاوي عندما كان في جولة تفقدية لبعض المعاهد الأزهرية، فلفت نظره وجود طالبة منقبة، فانتقدها بشدة وطالبها بخلعه، وقال لها إن ارتداء النقاب ليس فرضاً في الإسلام، وهو عادة وليس عبادة، وبالتالي فإنه بصدد إصدار قرار بمنع ارتدائه نهائياً في المعاهد الأزهرية. وأثارت تصريحات طنطاوي ردود فعل مختلفة في مصر وخارجها، وكان على رأس المعارضين، نواب "الإخوان" في البرلمان المصري، والذين أعلنوا اعتزامهم تقديم طلبات إحاطة بشأن هذه التصريحات التي تصب في خانة "التغريب وانتهاك الحرية الشخصية والتعارض مع أحكام علم الفقه وأصوله"، مشيرين إلى أنه سبق لدار الإفتاء المصرية أن أصدرت فتوى بأن النقاب "فضيلة". فيما ذهبت قوى سياسية مساندة لارتداء النقاب إلى أن ارتداء النقاب "حرية شخصية" وليس من حق الأزهر منعه. أما المؤيدون فمنهم مفتي مصر الدكتور علي جمعة الذي قال إن "النقاب ليس فريضة إسلامية، وإنما هو عادة عربية منذ أيام الجاهلية". كما أيّد الدكتور أحمد عبدالرحيم السايح تصريحات شيخ الأزهر وقرار المجلس وقال: "القرار سليم مئة في المئة من الناحية الشرعية، وأيضاً من الناحية الوظيفية، فضلا عن أن النقاب ليس له أصل لا في القرآن ولا في السُنّة، لا من قريب ولا من بعيد، وهو عادة بل إنه يتنافى مع ما أمر به القرآن الكريم في قوله تعالى: "قُل للمؤمنين يغضّوا من أبصارهم"، فلو كانت المرأة منقبة، فعن أي شيء يغض الرجل بصره؟". ويضيف الدكتور عبدالمعطي بيومي، عميد كلية أصول الدين الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، أن "النقاب ليس فرضاً أو واجباً، وأدلة القرآن على ذلك واضحة وصريحة، كما أن هناك11 حديثاً في البخاري ومسلم، تؤكد وتقطع بأن النساء كن يكشفن وجوههن في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم". ورأت الدكتورة آمنة نصير -أستاذة العقيدة والفلسفة الإسلامية وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية- أن "الإسلام لم يفرض النقاب" وقد تزامنت تصريحات شيخ الأزهر وبيان المجلس الأعلى مع تظاهرة لمنقبات مصريات خارج أبواب المدينة الجامعية لجامعة الأزهر اعتراضاً على حرمانهن من السكن بسبب ارتداء النقاب. وكانت الجامعات المصرية (17 جامعة) قد أصدرت قراراً بمنع دخول المنقبات للمدن الجامعية كإجراء وقائي، وأتى هذا القرار بعد إجراءات تمهيدية استمرت نحو عامين على خلفية عدة قضايا لطلاب تسللوا إلى سكن الطالبات بالمدن الجامعية متخفين بالنقاب. وقد حاول وزير التعليم العالي تهدئة الطالبات المحتجات وقال لهن: "إنهن حرائر في ارتداء النقاب داخل الحرم الجامعي، أما داخل المدينة الجامعية فلا توجد حاجة لارتداء النقاب، خاصة أن كل من فيها طالبات أو مشرفات". وعلل الوزير قرار الجامعات بأنه يأتي ضماناً للسلام الاجتماعي وحفاظاً على حياة الطالبات وبث مزيد من الطمأنينة داخل نفوسهن. والواقع أن هذه التطورات الأخيرة المتعلقة بقضية النقاب تأتي في أعقاب معركة ضارية خاضها وزير الصحة المصرية ضد "نقاب الممرضات"، وتعرض لهجمة شرسة، كما خاض وزير الأوقاف المصري معركة أخرى ضد النقاب وواجه سيلا من الهجوم من قبل قوى سياسية معارضة تريد تصفية حساباتها مع الحكومة وتستغل قضية النقاب في أهدافها السياسية. وللمرء أن يعجب من ذلك، فمصر التي أطلقت أول صيحة لتحرير المرأة من قيود التخلف والجهل والعزلة قبل مئة عام على يد الإمام محمد عبده وقاسم أمين، تخوض اليوم جدلا كبيراً ضد انتشار النقاب بين بنات أجيالها الجديدة. والأعجب أن تقود تلك الحملات الشرسة، قوى سياسية مدنية، ضد الرموز الدينية المستنيرة، فتساند "النقاب" بحجة أنه "حرية شخصية ودستورية"، هذه المفارقات تطرح عدة تساؤلات من أبرزها: 1- إلى أي مدى يمكن التمسك بمبدأ "الحرية الشخصية" للمرأة في ارتداء النقاب، إذا تعارضت مع مصلحة العمل أو الدراسة وتسببت في اختراقات أمنية ونظامية؟ 2- وهل فعلا النقاب "فضيلة"، كما ردد بعض المعترضين على قرار منعه في المدن الجامعية والصفوف الدراسية للبنات؟ فيما يتعلق بالمسألة الأولى، هناك قرار واضح وحاسم للمحكمة الدستورية المصرية في مايو 1996 والتي أصدرت حكماً رفض منح الحق لطالبة في أن تدخل مدرسة بنقابها. وجاء في حيثيات الحكم: "كشفها لوجهها أعون على اتصالها بأخلاط من الناس يعرفونها ويفرضون نوعاً من الرقابة على سلوكها، وهو كذلك أكفل لحيائها وغضها من بصرها وأصون لنفسيتها وأدعى لرفع الحرج عنها". وإذا كانت من حق المرأة أن تنتقب فمن حق السلطة الإدارية أيضاً أن تتخذ الإجراءات التي تحقق مصلحة العمل أو التعليم وتكفل حماية القواعد المهنية. فللمتعاملين حقوق تجب مراعاتها، ومن أبسطها أن يتعرفوا على شخصية من يتعاملون معها... وفي ظل تعميم النقاب لا يمكن ضمان هذا الحق. وفيما يتعلق بكون النقاب "فضيلة"، فلا دليل من القرآن أو السنة على كون النقاب "فضيلة" وإلا لتمّسكت به نساء الصحابة. وكون بعض الفقهاء قالوا بفضيلة النقاب أو أفضليته أو استحبابه، فهو مجرد قول مرسل لا سند له من الشريعة. وقد أكدت دراسات عديدة أن بعض النساء يرتدين النقاب هروباً من "المساءلة الأخلاقية" في مجتمعاتنا المعاصرة، فكيف يكون -والحال كذلك- فضيلة؟ لو كان النقاب "فضيلة" وكشف الوجه عورة، لما أمر الله المرأة المسلمة بكشف وجهها أمام خالقها في الصلاة، وحين إحرامها لزيارة بيته، لأن الفضائل لا تترك ولأن العورات لا تكشف في أطهر مكان، وأمام الخالق العظيم؟!