عندما بدأت الحكومة الفيدرالية شحن اللقاح الواقي من وباء إنفلونزا الخنازير الأسبوع الماضي قالت "مراكز الوقاية والسيطرة على الوباء" في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، إن المجموعات الأكثر تعرضاً لخطر الوفاة من الفيروس المسبب لهذا الوباء مثل الأطفال والنساء الحوامل، يجب أن يكون لهم الأولوية في تناول اللقاح الواقي من ذلك الفيروس، غير أن "مقاطعة كولومبيا" أو واشنطن العاصمة كان لها رأي آخر. فقد قررت إدارة الصحة في "مقاطعة كولومبيا" البدء في توزيع اللقاح الواقي على العديد من تلاميذ المدارس العمومية في 19 أكتوبر، ولكن وكما جاء في تقرير "نيلسون هيرنانديز" المنشور في الواشنطن بوست، فإنها ستجعل التلاميذ المسجلين في تلك المدارس، والذين يعيشون في المقاطعة ينتظرون أسبوعين آخرين، كما لو كان حق هؤلاء التلاميذ في الحصول على اللقاح، يتوقف على قيام أولياء أمورهم بدفع المصاريف الدراسية أولا. وتحتوي استراتيجية مواجهة وباء الإنفلونزا الخاصة بمقاطعة كولومبيا على العديد من الفقرات والبنود الغريبة الأخرى. فبالإضافة إلى الجماعات "ذات الأولوية" التي حددتها "مراكز الوقاية والسيطرة على الوباء" السابق الإشارة إليها، فإن المقاطعة قررت أن تضيف إلى قائمة الجماعات "ذات الأولوية" تلك قائمة أخرى تعرف بـ " قائمة أفراد المقاطعة الضروريين" وقائمة ثالثة تعرف بقائمة "المساجين". وهذا في الحقيقة يعطي مؤشراً على أن التلاميذ الصغار، والنساء الحوامل، قد يجدون أنفسهم مضطرين للدخول في منافسة مع البيروقراطيين الأصحاء من "الأفراد الضروريين" في المقاطعة، وكذلك مع " المساجين" غير المعرضين لخطر التعرض لمضاعفات الوباء. وخبر هذه الخطة الغريبة، نما إلى علم مسؤولي الصحة الفيدراليين، فأجروا اتصالا هاتفياً بمدير دائرة الصحة الفيدرالية في العاصمة واشنطن "بيير فيجيلانس" الذي اتضح وياللغرابة أنه يرقد في منزله مريضا بالإنفلونزا!. وعندما استفسر المدير بعد شفائه عن الأمر من مسؤولي الصحة المحليين في المقاطعة عن المفارقات الموجودة في الخطة، كان ردهم أنهم لم ينتهوا من تلك الخطة بعد، وأنه لم يكن في نيتهم على الإطلاق تطعيم المساجين قبل تلاميذ المدارس، وأنهم سيعملون على إجراء التعديلات الملائمة في هذه الخطة بحيث تتوافق مع توصيات "مراكز الوقاية والسيطرة على الوباء". وهذه الحكاية، وطريقة الاستجابة لوباء إنفلونزا الخنازير بشكل عام، تشير إلى المشكلات العديدة التي يواجهها نظام الصحة العامة الأميركي المهلهل. فهناك ما يقارب 2500 إدارة صحية للمدن والولايات المختلفة في أميركا، بينها فروقات واختلافات ضخمة سواء في التمويل أو في مستوى الكفاءة. وقد تبين من خلال دراسة قام بها" جلين بي. مايز" من جامعة أركنساس، إن أفراد الشريحة العليا( تشكل 20 في المئة تقريبا من المجتمعات المختلفة في الولايات المتحدة) يتمتعون بخدمات مؤسسات صحية، يزيد إنفاقها بنسبة 13 في المئة عن إنفاق المؤسسات الصحية التي تقدم خدماتها للشرائح الأقل دخلا في المجتمعات. (الـ20 في المئة الأقل).ليس هذا فحسب، فقد تبين من هذه الدراسة أن المؤسسات الصحية المصنفة بأنها الأفضل أداء ً هي في حالة سيئة في حقيقة أمرها وخصوصا بعد أن قامت بإلغاء عدد كبير من الوظائف بها ـ تقدرها إحصائيات"الاتحاد الوطني لصحة المدن والمقاطعات" بـ 8000 وظيفة في النصف الأول من عام 2009، بالإضافة إلى 7000 وظيفة عام 2008. وفي الحقيقة أن برنامج التطعيم الخاص بمقاومة إنفلونزا الخنازير، يكشف عن الصعوبات التي تواجهها الإدارات الصحية في الولايات المختلفة، والفروقات والاختلافات القائمة بينها، مما يجعل بعضها قادرا على تحقيق المطلوب منه بدرجات متفاوتة من النجاح، ويجعل البعض الآخر غير قادر على ذلك. وطالما أن الحكومة الفيدرالية هي التي تدفع ثمن اللقاحات، وهي التي تتحمل تكاليف شحنها، فإن من حق كل مواطن أميركي أن يحصل على اللقاح الذي يستحقه دون تفرقه بينه وبين أي مواطن آخر. بيد أن هذا لا يحدث على أرض الواقع للأسف، ليس هذا هو الجانب الوحيد الذي يتسم بالانحياز وعدم المساواة في المعاملة بين المواطنين، بل هناك جوانب أخرى كثيرة ومتنوعة في آن منها مثلا أن كميات الأدوية والعقاقير المضادة للفيروس الذي ستستلمها الولايات المختلفة، سوف تكون مختلفة هي الأخرى، حيث أن بعض الولايات لن تستلم سوى كميات لا تكفي لتغطية أكثر من 25 في المئة من عدد سكانها وذلك وفقا لإحصائيات " صندوق صحة أميركا". وفي هذا السياق فإن كلورادو سوف تكون هي الولاية التي ستتلقى أقل كمية من العقاقير المضادة للفيروس حيث لن تزيد هذه الكمية عن احتياجات 14.9 في المئة من سكانها. كل تلك الحقائق تدل على أننا نتلقى خدمات صحية يومية من منظومة صحية مهلهلة، لا نعتقد أنها ستكون قادرة على معالجة مشاكل الأوبئة وأمراض السمنة والسكر والضغط وغيرها من الأمراض المنتشرة على نطاق واسع في الولايات المتحدة ناهيك عن التعامل مع هجوم إرهابي بيولوجي. الخبر الطيب: أن هناك فقرة مدرجة في نسخة مجلس النواب من قانون الرعاية الصحية كتبها السيناتور هنري واكسمان (ديمقراطي ـ كاليفورنيا) سوف تعمل على معالجة معظم تلك المشكلات. ولكن "جيفري ليفي" مدير "صندوق صحة أميركا " المشار إليه آنفا يرى مع ذلك" أن الحكومة الفيدرالية قد تأخرت أكثر مما ينبغي في توفير درجة من الاتساق والمساواة في معالجتها لموضوع إنفلونزا الخنازير، كما يتبين من استجابتها للوباء هذا الخريف، وأنها مطالبة بأن تحث خطاها من أجل تحقيق هذا الاتساق وتلك المساواة دون انتظار لصدور هذا القانون. ----- دانا ميلبانك كاتبة أميركية متخصصة في شؤون العلوم والتقنية ----- ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست