تعطل المنطق، ووقف العقل حائرا في تفسير خط الأزمات في المنطقة العربية. الهزائم تجر بعضها، ويتكرر النهج في تحليل الأزمات ويعجز العقل العربي في فهم أسباب استمرار النكسات.
كلما اشتدت الأزمات حدة، لجأ العقل إلى الخرافة، والتمسك بالقشور بحثا عن مبررات تتيح للنفس قسطا من الراحة. في نكسة 67 لجأ العقل العربي لتبرير الهزيمة بالخرافة، واستفحل نهج الخرافة في تفسير حياتنا.
في حرب المسلمين مع الروس في أفغانستان، لجأ العقل إلى الكرامات، وشعر المسلمون بالسعادة للكرامات التي انهالت عليهم من السماء. إحساس المرء بالضعف وعجزه عن المواجهة العقلانية، مع دافعية تدفعه إلى البحث في الدفاتر الصفراء، ويزداد تعلقه بالماضي وينتابه خوف من المستقبل.
يقول الكاتب عبد القادر شرشار في معالجته للمقدس في التراث العربي في تفسير حالة العجز، بأن ذلك أدى إلى مأزق يعيشه العرب، فالأسطورة والتراث المقدس شكلا منطق الخيال الجامح، الذي يستوعب مختلف أشكال الصراع الإنساني، ويدرك رمزيا حقائق الحياة، كان اللجوء إلى توظيفهما هروبا من وضع تاريخي متأزم، إلى عالم خيالي، وفرته بعض النصوص الأدبية من رواية، وشعر، حيث برزت في هذا العالم التخيلي خرافة " التفوق " على الآخر، وفرضت على العرب أن يقطعوا حبال التواصل مع العالم المعاصر، الذي نجحت إسرائيل في أن تنتمي إليه. العودة إلى الأسطورة والتمسك بالتراث أفقدا العرب والمسلمين، القدرة على التعامل مع عالمنا المعاصر، وأصبح كل ما يواجه الإنسان من هزائم هو نتاج لعقلية المؤامرة.
الخطر الذي يقع فيه عالمنا العربي والإسلامي هو استمراره في القطيعة مع العالم المتقدم، والتمسك بالماضي وقيمه التي لم تعد فاعلة فى عالم اليوم، جعلت الناس يداومون البحث عن المعجزات والقائد الملهم الذي قد يخرجهم من الأزمات. وهذا ما يفسر لنا تمسك الشارع العربي بصدام حسين في حرب الخليج الثانية، عندما جنح الخيال العربي وراء وهم التغيير الفردي. صدام حسين كان يثير في العقل العربي صورة البطل المنقذ في التراث الشعبي.
طالما بقي العقل العربي حبيس الأسطورة والمقدس فسيبقى عالمنا العربي على أوضاعه، وتزداد المرارة في عجزنا عن تفسير أحداث العالم وفق رؤية عصرية، ويستمر عقلنا في تفسير الأحداث وفق رؤاه المنغلقة على الذات.
استمرار نمط التسلط السياسي لن يؤدي إلا إلى مزيد من الأزمات، واختلال التوازن الاجتماعي في داخل المجتمع الواحد، وقد تزداد حدة النزاعات العربية أو تدخل المنطقة بأكملها بحالة كبيرة من الفوضى.
نحن في حاجة إلى مراجعة وتقييم للحركة الماضية، ومواجهة الحقائق الاجتماعية، وممارسة قدرة فائقة من النقد الذاتي، سواء على مستوى النخب الحاكمة، أو قيادات العمل الشعبي الوطني، ودون ذلك فلن نتمكن من الانتقال إلى مرحلة جديدة تعيد لنا التواصل سواء مع قوى الداخل أو المحيط العالمي.
الأنظمة العربية لم تعد تملك خيارات واسعة، فمساحة الاختيار تضيق علينا، وقد يؤدى الأمر إلى تكرار حالة العراق في مواقع عربية أخرى، إنقاذ المنطقة العربية يتطلب رؤية جديدة قائمة على مبدأ الإيمان بأهمية الإصلاح السياسي، سواء جاء بفعل ضغوط عالمية، أو محلية، المهم أن نستوعب ضرورة التغيير للنأي بالمنطقة العربية عن أي انفجارات قادمة.