استعير عبارة "الإسلاموفوبيا العالمة" من عنوان كتاب جديد أصدره في فرنسا بعض أبرز المختصين في الفلسفة والعلوم الإسلامية الوسيطة: فيليب بوتغن وألان دليبرا ومروان راشد وإيرين روزيه كاتاش. والكتاب في عمومه رد على كتاب مثير للجدل صدر العام الماضي بقلم "سليفيان غونغليم" حول "الأصول الإغريقية لأوروبا المسيحية"، ذهب فيه إلى القول إن التأثير العربي فلسفياً وعلمياً في فكر النهضة الأوروبية ليس سوى"أسطورة" سائدة، مدعياً أن شروح وتراجم العرب للفلسفة اليونانية كانت محدودة وهامشية وضحلة، في الوقت الذي اضطلع العلماء والمترجمون المسيحيون بالدور المحوري في نقل الثقافة اليونانية إلى الغرب الحديث. يفند مؤلفو كتاب "الإغريق، العرب ونحن: تحقيق حول الإسلاموفوبيا العالمة"، هذه الأطروحة المتهافتة بالأدلة العلمية الموضوعية التي لا تقبل الجدل، معتبرين أنها لا تستحق أن نطلق عليها حتى مجرد الفرضية العلمية، وإنما هي أثر لأيديولوجيا عنصرية عدوانية تقوم على إسقاطات تاريخية واهية. ويفسر المؤلفون الترحيب الواسع الذي لقيه الكتاب على الرغم من ضحالته بمناخ فكري جديد في فرنسا تعبر عنه "فلسفة التاريخ الساركوزية"، التي تتبلور في ثلاثة محاور رئيسية متمايزة هي: - الاحتفاء بالجذور المسيحية المحضة لفرنسا، والدعوة لمراجعة خط العلمانية الجمهورية القائمة لإعادة الاعتبار لهذه الهوية الدينية المسكوت عنها في الثقافة السياسية السائدة، مما يشكل نغمة جديدة غريبة عن خطاب الساسة الفرنسيين. الدعوة لإعادة الاعتبار للتجربة الاستعمارية، من حيث كونها تحتوي عناصر "ايجابية" يتعين التنبيه إليها في المناهج التربوية، مما يذكر بالأدبيات الاستعمارية القديمة في حديثها عن "تمدين الشعوب المتوحشة" تبريراً للاحتلال والاستيطان. - النزوع إلى محو آثار "ثورة مايو 1968" التي نسفت القاعدة النظرية والأيديولوجية لليمين المحافظ. وفتحت آفاقاً رحبة للخطاب النقدي الرافض للمركزية الثقافة والمنفتح على السياقات المغايرة المختلفة. فالإسلاموفوبيا من هذا المنظور ليست تكريراً أو استعادة للخطاب الصليبي الوسيط ولا للأطروحات الاستشراقية العتيقة، إنها من تعبيرات وتجسيدات الحالة الثقافية القائمة في الساحة الغربية نفسها. كيف يمكن التمييز بين "الإسلاموفوبيا العالمة"، التي يتحدث عنها الكتاب المذكورون وأنماط أخرى من الإسلاموفبيا الجديدة تلتبس بها؟ للإجابة على هذا السؤال، يتعين التنبيه إلى ضربين آخرين شائعين من الاسلاموفوبيا: - الاسلاموفوبيا الاستراتيجية التي برزت بقوة بعد نهاية الحرب الباردة، وتجذرت بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. وتتمحور هذه الصيغة من الإسلاموفوبيا حول "الخطر" الذي يشكله الفضاء الإسلامي عقيدة ومجالا على المنظومة الغربية. وقد رصد الكاتب الهندي "بانكاج ميشرا "pankaj mishra في دراسة متميزة جديدة (الجارديان البريطانية في 17 أغسطس 2009) الظاهرة عبر آخر الإصدارات التي تناولت "الخطر الإسلامي". ومن هذه النماذج الصحافي الأميركي "كريستوفر كالدويل"، الذي أصدر مؤخراً كتاباً مثيراً بعنوان "تأملات حول الثورة في أوروبا: الهجرة، الإسلام والغرب" قارن فيه بين وجود الجاليات المسلمة في أوروبا والحزب البلشفي في روسيا قبل اندلاع الثورة الشيوعية 1917، معتبرا أن الثقافات "المتقدمة" كثيراً ما قللت من شأن الخطر الذي يتهددها من قبل الثقافات "البدائية". ومن هذه الإصدارات أيضاً كتاب الكندي "مارك ستين"، الذي صدر عام 2006 بعنوان "أميركا الوحيدة"، وقد خلص فيه إلى أن الديمقراطيات ليس لها وسيلة دفاعية في مواجهة "القنبلة الديموغرافية" الإسلامية سوى الحرب الأهلية، وهو الدرس الذي فهمه الصرب جيداً. وفي النهج ذاته يندرج كتاب الأميركي "بريس باور" الذي عنونه بـ "في الوقت الذي تنام أوروبا: يحطم الإسلام الراديكالي الغرب من الداخل" (في العنوان غنى عن كل تفصيل). - الإسلاموفوبيا الدينية التي تشكل في جانب منها أثراً لأدبيات الصراع الديني الوسيط، لكنها توظف راهناً في معادلة مغايرة وسياق جديد مختلف. وأبرز تجلياتها هو محاضرة البابا بنديكت السادس عشر المشهورة في جامعة ريجسمبورغ الألمانية عام 2006، التي قارن فيها بين الإسلام والمسيحية من حيث القدرة على التوفيق بين الإيمان والعقل، منتهياً إلى وسم الإسلام بالنزوع العدواني ورفض المنهج العقلي. ليست إذن "الاسلاموفوبيا العالمة" داخلة لا في الأدبيات الاستراتيجية ولا الأدبيات اللاهوتية، وإنما يشكل فيها الهم الإسلامي، حسب رأينا محورًا من محاور المعادلة الثقافية الغربية الداخلية، في مستويات ثلاثة على الأقل، نشير إليها اقتضاباً: - الإشكالات التي تطرحها معادلة التعددية الثقافية في المجتمعات الغربية التي فقدت انسجامها القومي والمعياري. ولا شك أن حضور الجاليات المسلمة المتزايد في هذه المجتمعات يشكل تجلياً بارزاً (وإن كان ليس وحيداً) لهذه المعادلة الجديدة التي تطرح تحديات عصية على الدولة القومية العلمانية في نزوعها المركزي التنميطي الذي يقوم على تعويض الخصوصيات الثقافية والدينية بفكرة المواطنة المتجانسة التي تصاغ عبر كليات قانونية شاملة. ومن الخطأ تحميل الإسلام من حيث هو ديانة مسؤولية في هذا التحول العميق الذي مس الشكل التاريخي للدولة القومية، كما من الخطأ اختزال إشكالية التعددية الثقافية في المعطى الإسلامي. - الإشكالات التي يطرحها الدين كأفق للمعنى وكمرجعية للسلوك في الفلسفة المعاصرة، إثر انهيار الدوائر البديلة عنه التي بلورتها العصور الحديثة وأبرزها: العلم الوضعي والأيديولوجيا التاريخانية. فالمسألة الدينية هنا لا تنحصر في الإسلام ، وإنما تستثير العقل الفلسفي المرغم على التعامل معها بعين جديدة وجدية حقيقية كما أدرك عدد من كبار فلاسفة العصر مثل "جاك دريدا " و"جاني فاتيمو" و"يورغن هابرماس" على عكس آخرين مثل الفرنسي "ميشال اونفراي" في كتابه العنيف الضحل "رسالة في نقيض اللاهوت"، والألماني "بيتر سلوتردايك" في كتابه الساخر "الغضب والزمن" الذي ينم عن جهل مرضي بالإسلام. - الإشكالات التي تطرحها الهوية الثقافية للمشروع الاندماجي الأوروبي، الذي يراد إخراجه من الدائرة المحدودة للشراكة الاقتصادية والاستراتيجية، في الوقت الذي يفضي البناء الإقليمي إلى تأجيج معضلة العلاقة بين الهوية القومية الخصوصية كما تعبر عنها الدولة الوطنية والنظام الاندماجي الذي يتجاوزها. إنه المأزق العصي الذي يمزق الطبقة السياسية في جل البلدان الأوروبية، ويقيم عراقيل تعترض بصفة متزايدة الطموح القاري. في هذا السياق يندرج الحوار الحاد حول المرجعية المسيحية في الدستور الأوروبي المقترح وموضوع الانضمام التركي للاتحاد. وكان الأديب والمفكر الفرنسي المعروف "أندري مارلو" قد تنبه في قولة مشهورة عام 1974 إلى حضور البعد الإسلامي في إشكالية البناء الأوروبي، معلناً بوضوح "أن وحدة أوروبا سياسياً هي مجرد يوتوبيا. فلا بد من عدو مشترك من أجل الوحدة السياسية لأوروبا، بيد أن العدو الوحيد المشترك الذي يمكن أن يوجد هو الإسلام". Classifications