لقاء صحيفة "الاتحاد" السنوي القادم، الذي سيعقد بعد أسبوع في أبوظبي، سيكون محوره الصحافة العربية، والبحث في التحديات المختلفة التي تجابهها هذه الصحافة في عالم اليوم، وهي تحديات تواجه الصحافة في كل دول العالم بسبب الضغوط السياسية والاقتصادية والإعلام الإلكتروني والمرئي وغير ذلك. وأود أن ألقي بعض الأَضواء على الماضي الحافل لهذه الصحافة، والتضحيات الجسام التي قدمها الرواد الأوائل في هذا الميدان على امتداد أكثر من قرنين، منذ أن صدرت أول جريدة عربية تحت إشراف "نابليون بونابرت" في القاهرة عام 1799. فقد توالى منذ ذلك التاريخ صدور الجرائد والمجلات العربية في العالم العربي ومختلف القارات حتى بلغ عدد ما صدر منها حتى عام 1929 نحو 3023 صحيفة ومجلة، ذكر أسماءها والدول التي صدرت فيها وتواريخ صدورها، المؤرخ الشهير للصحافة العربية "فيليب دي طرازي" (1865-1956)، في كتابه الوثائقي المعروف، "تاريخ الصحافة العربية"، الواقع في أربعة مجلدات، والصادر في بيروت عام 1913. ورغم شهرة هذا الكتاب في مجال تاريخ الصحافة العربية وتكرار طباعته وغزارة ما فيه من معلومات وتفاصيل، أفنى الرجل عمره في استقصائها وجمعها وتدقيقها، فإن العديد من الكتاب والباحثين والمؤرخين والدبلوماسيين قد سبقوا المؤرخ "طرازي" في مجال التأريخ لهذه الصحافة، فنرى "طرازي" نفسه يحصي في كتابه 23 مقالا وكتاباً في هذا المجال، وكان قنصل فرنسا في "حيفا" بفلسطين، والمؤرخ الكبير جرجي زيدان بين هؤلاء الباحثين والمؤرخين. وكانت "بريد أزمير" أول صحيفة تظهر في السلطنة العثمانية، باللغة الفرنسية عام 1825، أما أول جريدة عربية خاصة فهي "مرآة الأحوال"، التي أصدرها في الآستانة "رزق الله حسون الحلبي" عام 1845. وارتبطت الصحافة العربية المصورة بالمرسلين الأميركيين أو جماعات التبشير، فكانت أول جريدة عربية مصورة هي "أخبار عن انتشار الانجيل في أماكن مختلفة" سنة 1863 في بيروت. وكانت "النحلة" أول مجلة عربية مصورة، وقد أصدرها القس "لويس صابونجي السرياني"، بتاريخ 1877/6/15 في لندن. أما جريدة "أبونظارة" في باريس، فكانت أول صحيفة عربية مرسومة بالألوان، وقد أصدرها الشيخ "يعقوب صنوع" المصري في 1887/1/22. وتعد "الوقائع المصرية"، التي تصدر الآن مرتين أسبوعياً، أقدم الصحف العربية التي لا تزال تصدر بانتظام منذ عام 1828، وقد أصدرها الوالي محمد علي باشا في القاهرة، ولا تزال تصدر باعتبارها الجريدة الرسمية للحكومة المصرية، وكانت أول أمرها، تقول المراجع، تصدر دون انتظام في قسمين عربي وتركي، ومع الوقت ألغي القسم التركي. وفي أول عهدها كانت تنشر مقالات وأخباراً، بل فصولا مترجمة، ولكنها اقتصرت فيما بعد على البلاغات الرسمية والقوانين وإعلانات الوزارات. وقد رأس تحريرها في فترات حياتها المختلفة الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي، ومساعده أحمد فارس الشدياق، وتعاقب على تحريرها عبدالرحمن رشدي وأحمد خيري وأحمد عبدالرحيم والشيخ محمد عبده وعلي جودت وعبدالكريم سلمان وسعد زغلول وابراهيم الهلباوي. كان الأمير اللبناني "أمين أرسلان" أول صحافي عربي يحضر بصفة رسمية مؤتمراً عاماً للصحافة، وذلك عام 1897 في استكهولم بالسويد. وقد صدرت في الولايات المتحدة عام 1892 أول جريدة عربية في العالم الجديد، وهي "كوكب أميركا"، وقد شهدت مدينة نيويورك عام 1900 أول مؤتمر للصحافة العربية. بدايات الصحافة العربية إذن كانت مع أوائل الاحتكاك بالغرب وخاصة فرنسا وبريطانيا خلال القرنين الماضيين. فمن الأشياء التي لفتت نظر رفاعة رافع الطهطاوي خلال إقامته في باريس مع البعثة التعليمية المعروفة عام 1825 الصدور المنتظم للصحف في هذه العاصمة الأوروبية العريقة.. ورصدها في كتابه المعروف. ويقول الطهطاوي في الكتاب الذي وضعه عن مشاهداته وتجاربه في فرنسا وباريس عن الصحف، ويسميها "الجرنالات"، ما يلي: "ومن الأشياء التي يستفيد منها الإنسان كثير الفوائد الشاردة، التذاكر اليومية المسماة الجرنالات جمع جرنال. وهي ورقات تُطبع كل يوم وتذكر ما وصل إليهم علمه في ذلك اليوم، وتنشر في المدينة وتباع لسائر الناس وسائر أكابر باريس، يرتبونها كل يوم، وكذلك سائر القهاوي. وهذه الجرنالات مأذون فيها لسائر أهل فرنسا أن تقول ما يخطر لها وأن تستحسن وتستقبح ما تراه حسناً أو قبيحاً، وأن تقول رأيها في تدبير الدولة، فلها حرية تامة ما لم تضر بذلك، فإنه يُحكم عليها وتطلب بين يدي القاضي". وعن تأثير الصحافة يقول بأنها أي الجرنالات متعددة، فكل جماع لها في رأيها مذهب تقويِّه كل يوم وتحاميه وتؤيده، ويقول عن الصحافيين بأنهم إجمالا "أسوأ حالا من الشعراء عند تحاملهم أو محبتهم". ونحن اليوم، ومنذ أن بدأت وانتشرت الصحافة في مصر ولبنان وغيرها، نستخدم كلمات مثل "الجريدة" و"الصحيفة" و"المجلة"، فما أصل هذه الكلمات في اللغة العربية؟ في لسان العرب، في مادة "صحف" ما يلي: الصحيفة، أي التي يكتب فيها، والجمع صحائف وصُحُفٌ وصُحْفٌ. وفي التنزيل "إن هذا لفي الصحف الأولى صحف ابراهيم وموسى". يعني الكتب المنزلة عليهما. والمُصْحف والمِصْحف: الجامع للصحف المكتوبة بين الدفتين. وقال "الجوهري" الصحيفة: أي الكتاب. والصَّحْفة أي القِصْعة -أي الصحن- والصحيفة أصغر من الصحفة وهي تشبع الرجل. والتصحيف الخطأ في الصحيفة. وفي "القاموس الوسيط"، تصفَّحَتْ الكلمةُ أي الصحيفةُ: أي تغيرت إلى خطأ. والصِّحافة: كلمة محدثة، وهي "مهنة من يجمع الأخبار والآراء وينشرها في صحيفة أو مجلة، والنسبة إليها صحافي". والصَّحَفي هو من يأخذ العلم من الصحيفة لا عن أستاذ، والصحفي من يزاول حرفة الصحافة. والصحيفة ما يكتب فيه من ورق ونحوه، ويطلق على المكتوب فيها. والصحيفة اضمامة من الصفحات تصدر يومياً أو في مواعيد منتظمة بأخبار السياسة والاجتماع والاقتصاد والثقافة وما يتصل بذلك. وصحيفة الوجه أي البشرة. ويتبين من شرح المعجم الوسيط أن من الجائز استخدام كلمتي "صحفي" أو "صحافي" كصفة للعاملين في مجال الصحافة! ونقف عند كلمة "مجلة"، فنرى أن "لسان العرب" يقول: "المَجْلُ" هو أثر العمل في الكف. مَجِلَتْ يَدُهُ: أي نَفِطَتْ من العمل فمرنت وصلُبت وثخُنَ جلَدُها. ويقول "المعجم الوسيط" إن من معاني كلمة "مجلة" الكتاب، والصحيفة "تجمع طرائف المعرفة. وتقال في عصرنا هذا لكل صحيفة عامة أو متخصصة في فن من الفنون، تظهر في أوقات معينة، بخلاف الصحف اليومية، وجمعها مجالٌ ومَجَلاّت". ومن أشهر الكتب التي تحمل اسم "مجلة"، المجموعة القانونية المعروفة باسم "مجلة الأحكام العدلية"، الصادرة في اسطنبول عام 1876 باللغة التركية، حيث ترجمت بعد ذلك إلى العربية، وصدر الأمر بالعمل بها في كل الأقطار الإسلامية الخاضعة للدولة العثمانية، وترك العمل بها في تركيا وأُلغِيت قوانينها بتبني القانون المدني السويسري عام 1927.