منذ "المصالحة" التي أَعلن عنها العاهل السعودي عبدالله بن عبدالعزيز في قمة الكويت الاقتصادية، توالتْ أحداثٌ وتطوراتٌ استدعت تنسيقاً ومُتابعةً، وبلغ ذلك التنسيقُ ذروتَه في الزيارة التي قام بها الملك عبدالله إلى سوريا يومي 7و8 أكتوبر الجاري. ويمكن تركيزُ ما حصل خلال الشهور الماضية في الأُمور التالية: - وصول المبادرة الأميركية لإعادة إطلاق المفاوضات بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى مأْزقٍ ناجمٍ عن رفض إسرائيل إيقاف الاستيطان، ورفضها الالتزام بالتفاوض على مسائل الحلّ النهائي بحسب خريطة الطريق؛ وهي: القدس والمستوطنات والحدود واللاجئون. وكان الملك السعودي قد قال في قمة الكويت إنّ المبادرة العربية للسلام لن تبقى على الطاولة إلى ما لا نهاية. – تعذُّر الوصول إلى اتفاقٍ بين حركتي "فتح" و"حماس" وفصائل أُخرى، حول مسائل كثيرة أهمُّها تشكيل حكومة واحدة لإنهاء الانقسام بين غزة والضفة، وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية. - اندلاع خلاف بين بغداد ودمشق بشأن الأحداث الأمنية في العراق. وقد تدخلت فيه كُلٌّ من إيران وتركيا، بينما رفضت الحكومةُ العراقية أن يكون للجامعة العربية دورٌ، وارتأت مُناداة مجلس الأمن للتحقيق وتشكيل محكمة (على غرار محكمة لبنان) لمحاكمة الذين قاموا بالتفجيرات في وزارتي المالية والخارجية العراقيتين. - تفاقُمُ الأحداث باليمن، شمالا وجنوباً ووسطاً، واستمرار القتال بين الجيش اليمني والمتمردين الحوثيين في الشمال. - تعذُّر تشكيل حكومة في لبنان على مدى أربعة أشهُرٍ بعد الانتخابات النيابية في مطلع يونيو 2009، وتصاعُد الاتهامات بشأن التأثير السوري والإيراني في ذلك. وإذا لم تكن للحكومة السورية تأثيراتٌ في اليمن وأحداثه؛ فإنّ الأمر على غير هذا النحو في المشكلات الأُخرى المتعلقة بفلسطين والعراق ولبنان. ولذلك فإنّ زيارة الملك عبدالله إلى سوريا جاءت باعتبارها خطوةً واسعةً من ضمن نهج المصالحة، فأرْستْ من جديدٍ أساساً لعلاقات تشاوُريةٍ وتضامُنيةٍ مستمرة. وقد ذكر البيانُ الختاميُّ للقمة بين الملك السعودي والرئيس السوري المشاكل السالفة الذكر؛ وقال إنه يسعى إلى تحقيق أَوسع تعاوُنٍ في معالجتها والتصدي لتحدياتها. ومع أنّ البيانَ الختاميَّ وتصريحات أعضاء من الوفدين، فرضت شيئاً من الحَذَر بشأن النتائج؛ فإنه يُنتظرُ أن تكونَ للقمة المذكورة تأثيراتُها وتداعياتُها القوية والمؤثّرة. فمن المعروف أنّ المبادرة العربية، ومبادرة أوباما على حدٍ سواء؛ تسعيان لحلٍ شاملٍ وتفاوُضٍ على الجلاء الإسرائيلي من الأراضي المحتلة في فلسطين وسوريا ولبنان، وإقامة الدولة الفلسطينية التي عاصمتها القدس. وكانت سوريا -في فترة الجفاء مع السعودية- قد دخلت في مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل بوساطةٍ تركيا. ورغم ما ذُكر من اتفاقٍ على كُلّ التفاصيل؛ فإنّ المفاوضات توقفت بعد حرب غزة أواخر عام 2008 دون أن تُستعاد في عهد أوباما. وكانت سوريا قد ذكرت أنها مستعدةٌ لمفاوضاتٍ مباشرةٍ مع إسرائيل إذا رعتْها الولاياتُ المتحدة. والمفهوم أنّ ذلك كلَّه كان لأنه ما كان هناك التفافٌ عربيٌّ من أجل الحلّ الشامل بسبب التنافُر بين مصر والسعودية من جهة، وسوريا من جهةٍ ثانية. ولا شكّ أنّ الزيارة السعودية يمكن أن تُساعد في إعادة السوريين إلى أُفُق المبادرة العربية، وأُفق الحلّ الشامل، أو إذا تعذّر ذلك بسبب العرقلة الإسرائيلية؛ فإنّ الأطراف العربية المعنية مباشرةً، وهي بالإضافة إلى السعودية وسوريا ولبنان، الأردن ومصر، يكونُ عليها أن تلتقي وأن تتشاور مع العرب الآخَرين، بشأن ما ينبغي فِعْلُهُ بالمبادرة والموقف من الجهود الأميركية الحالية. والمعروف أنه فضلا عن الموقف الإسرائيلي من الاستيطان ومن القدس، ما عاد الإسرائيليون يقولون شيئاً عن الجولان وشروط الجلاء عنه. ثم إنّ العرب ليسوا متفقين تماماً مع الرؤية الأميركية، والتي تطالبُ العرب بالمبادرة إلى إجراءات تطبيع مع إسرائيل لـ "بناء الثقة"، وتشجيعها -فيما يُزعَم- على الدخول في التفاوُض. ولا بُدَّ أنّ ذلك كلَّه كان موضوع حديثٍ طويلٍ بين الملك السعودي والرئيس السوري، وقد ظهر ذلك في البيان الختامي في الدعوة إلى تحرير الأرض العربية من الاحتلال، والعمل الآن على منع تهويد القدس. ثم إنّ ذلك كُلَّه سوف يدفعُ السعودية باتّجاه خطوةٍ أُخرى للتوفيق والتقارُب بين سوريا ومصر، يمضي في الاتجاه نفسه: اتجاه الموقف من السلوك الإسرائيلي بشأن الاستيطان، وبشأن الأقصى، كما باتّجاه الإسهام في التوفيق بين "فتح" و"حماس". فالقيادة السياسيةُ لـ "حماس" تتمركزُ في سوريا. وهم يمضون منذ حوالي العامّ، ومن دمشق وغزة، مع فصائل أُخرى، من سوريا إلى القاهرة، للالتقاء بوفد "فتح" والسلطة. وقد كان الرهانُ المصريُّ أن تضغط دمشق على "حماس" للاستجابة للمساعي التوفيقية المصرية. وقد ظهرت في الآونة الأخيرة ليونةٌ في موقف "حماس" لناحية القبول بالمُصالحة، والمنتظر أن تستكمل السعودية -كما سبق القول- مساعي اللقاء بين البلدين؛ لأنّ مصر هي التي ترعى الحلّ الفلسطيني- الفلسطيني، وسوريا تستطيع الإسهام فيه بإيجابيةٍ إذا شاءت. وقد زار وفدٌ مصريٌّ مكوَّنٌ من وزير الخارجية ومدير المخابرات المصرية، السعودية قبل مجيء الملك إلى دمشق بثلاثة أيام؛ والمفروض أنه نقل للعاهل السعودي الرغبات (أو الشروط) المصرية للقاءٍ بين مبارك والأسد. أمّا الخلافُ العراقي -السوري فهو مستمرٌّ منذ الاحتلال الأميركي للعراق. إذ المعروف أنّ "المقاومة" للاحتلال، والمكوَّنة من البعثيين العراقيين الذين يتمركزُ بعضُهم بسوريا، ومن الإسلاميين (القاعديين والنقشبنديين)، انطلقت -إضافةً للداخل العراقي- من سوريا. وقد أصرَّ الأميركيون دائماً على أنّ "الإرهابيين" يأتون من سوريا ومن إيران. لكنّ الطريف أنّ الأميركيين صمتوا عن الاتّهام في المدة الأخيرة؛ في حين ظهر الخلافُ إلى العلن وانفجر بين الحكومتين. ومن مصلحة العرب الآن أن يكونَ لهم إسهامٌ واحتضانٌ للعراق بكلّ مكوِّناته (كما يقول العراقيون) حتى لا يصير التفاوُض حوله مقتصراً على الولايات المتحدة وإيران. وبالإضافة لأهمية ذلك؛ فإنّ انفجار الخلاف مؤخَّراً دفع كلا من إيران وتركيا للوساطة والتدخُّل. وفي حين صمتت إيران، ما تزال تركيا شديدة الحركية والاهتمام؛ باعتبار ذلك جزءاً من اهتمامها واحتضانها للنظام السوري. ولأنّ البلدين عربيان؛ فالمفروض أن يكونَ العرب الكبارُ هم الذين يسعَون أولا وآخراً للتوافُق والتوفيق، والإقناع بالضبط المشترك للحدود. ولا شكّ أنّ سوريا لا تملكُ مفتاح التطورات بالعراق؛ لكنها تملكُ تأثيراً، وكذلك الأمر مع السعودية والأردنّ. وللبنان مع سوريا قصةٌ طويلةٌ معروفة. ومنذ خروجها العسكري منه عام 2005، أثر اغتيال رفيق الحريري، تسلّم "حزبُ الله" وحلفاؤه ظاهراً زِمام المعارضة والتعطيل، لكنّ سوريا ما تزال تملك تأثيراً كبيراً يتمثل في بواقي نفوذها من جهة، كما يتمثل في المعسكرات الفلسطينية خارج المخيمات وعلى الحدود بين البلدين. ثم إنه، وإن اختلفت الأَولويات بين سوريا و"حزب الله"؛ فإنّ الطرفين ما يزالان حريصين على عدم إبداء خلافهما. ولذا فإنّ سوريا تستطيع أن تضغط بشكلٍ إيجابيٍ كما فعلت من أجل فرنسا في انتخابات الرئاسة اللبنانية. ومن هنا فإنّ اللبنانيين -بعد زيارة الملك عبدالله لسوريا- يأملون أن تحصُل المساعدةُ السورية لدى المعارضة اللبنانية؛ فتتشكَّل الحكومة العتيدة. وبالفعل فقد دعا الطرفان اللبنانيين إلى الإسراع في تشكيل حكومة وحدة وطنية، واعتبرا ذلك حجر الأساس في الاستقرار الداخلي. لكنْ حتى لو لم تتشكل الحكومة بالسرعة التي يأمُلُها العرب؛ فإنّ لبنان يستفيدُ من تخفيف حدَّة التوتر بين دول جِواره العربي. وباستثناء ذكْرٍ عارضٍ لإيران وتركيا من جانب بُثينة شعبان -مستشارة الرئيس الأسد- لا نعرفُ هل نوقش موضوع الامتدادات الإيرانية في الوطن العربي؛ من العراق إلى لبنان فاليمن وبعض دول الخليج. إنّ هذا الاستعراض للملفّات المشتركة بين السعودية وسوريا، يشير إلى الأهمية التي تتمتعُ بها سوريا؛ وهي الواقعة على تقاطُعاتٍ كبرى بين إيران والعراق وتركيا وإسرائيل. لذلك فهي مهمةٌ للمصالح العربية، وللتضامُن العربي إضافةً إلى أنّ جزءاً من أرضها مُحتلّ، وقد تغيرت أوضاعُها في السنوات الأخيرة مع العراق، كما مع لبنان. وتغير موقعها مع إيران ومع تركيا. ولكلِّ هذه الأسباب؛ فإنّ قيام علاقات قوية وتضامُنية بين السعودية وسوريا والأردنّ ومصر؛ مفيدٌ للنظام بسوريا، كما أنه مفيدٌ لعرب المشرق والخليج.