يثور جدل في الكويت حول قضية الحريات في المجتمع بعد أن قررت لجنة الظواهر السلبية في مجلس الأمة فرض ضوابط شرعية على المقاهي والمطاعم ومواصفات المايوه النسائي المستخدم في الأندية والفنادق. ردود الفعل المعارضة لهذا التوجه جاءت في التيار الليبرالي المدني والتيار القومي العربي حيث صرح بعض أعضاء مجلس الأمة وممثلو مؤسسات المجتمع المدني رفضهم لقرار اللجنة، مؤكدين أن وضع القيود على الفرد يعني سلب حريته والتدخل في شؤونه الشخصية. هذا الخلاف بين التيار الديني المحافظ والتيارات المدنية يثير عدة تساؤلات حول الدساتير والقوانين والتصريحات الحكومية، وحول قبول الديمقراطية وحقوق الإنسان بحكم القانون، بينما التطبيق الفعلي بها يُهمل أو يُجرى إغفاله من قبل السلطة التنفيذية والتشريعية. الديمقراطية التمثيلية في الخليج ليست دائماً حقيقة، وغالباً ما تلجم حريات التعبير والتنظيم وتصادر الحريات باسم الدين تارة، وباسم العادات والتقاليد تارة أخرى. ما هو موجود في الكويت اليوم هو مؤسسة ديمقراطية من نماذج دول العالم الثالث؛ مفرغة من مضمونها الأصلي، وهو الحرية، حيث دأب أعضاء مجلس الأمة المنتخبون من الشعب على سن تشريعات وقوانين تقنن انتهاك الحقوق والحريات؛ من ذلك مثلا قيام نائب إسلامي قبلي في مجلس الأمة بتوجيه سؤال برلماني إلى إدارة الإفتاء والبحوث الشرعية بوزارة الأوقاف، يطلب فيه الرأي الشرعي حول لبس النساء الأعضاء في مجلس الأمة بعد فوز 4 نساء كويتيات في الانتخابات الأخيرة. والمصيبة أن إدارة الفتوى في وزارة الأوقاف، والتي يهيمن عليها تيار الإسلام السياسي، أقرت وجوب التزام المرأة بـ "الحجاب الشرعي"... مما أثار زوبعة من الاحتجاجات ورفض الفتوى التي تعني عدم شرعية النائبتين: الدكتورة أسيل العوضي والدكتورة رولا دشتي والدكتورة ووزيرة التربية موضي الحمود.. كما تعني الفتوى بطلان الانتخابات، إذ أن عدداً كبيراً من الناخبات كن من السافرات اللواتي لم يرتدين الحجاب الشرعي المبين بالفتوى! بعض النواب حرصوا على القول بأنه لا يجوز اللجوء إلى الفتاوى في قضايا الحريات مادامت المحكمة الدستورية موجودة. يبقى السؤال: لماذا يلجأ النواب إلى خنق الحريات تعمداً؟ نتصور أن الإجابة تكمن في حقيقة أن التنظيم المجتمعي في الخليج والوطن العربي يحمل بذور وأد الحرية؛ فالعصبيات القبلية والطائفية تعرض النظام الأبوي التسلطي؛ فقضية الحرية قد عانت من قلة حضور حركات سياسية ذات عمق جماهيري واسع تناضل من أجلها؛ فالقوى السياسية في الكويت، سواء أكانت ذات طبيعة إسلامية قبلية أم قومية، لا تهتم ولا تكترث بقضية الحريات. لذلك ظلت الحرية فكرة مثالية لا تجد لها قوى سياسية فعالة تدافع عنها وتضمن صيانتها... فالتيار الليبرالي الكويتي حديث النشأة ولا يملك قاعدة جماهيرية واسعة. تقارير التنمية الإنسانية الدولية كشفت عن تقدم الدول النامية في مجال الحريات والديمقراطية، حيث تطورت أنظمة الحكم في بلدان أميركا اللاتينية وشرق آسيا وشرق أوروبا، لكنها لم تصل للبلدان العربية، مما يشكل قصوراً في الحريات من شأنه إضعاف التنمية الإنسانية. إنه القصور الذي يمثل السبب والنتيجة في آن معاً. د. شملان يوسف العيسى