بصفته اقتصادياً بارزاً، يعد رئيس الوزراء الهندي مانموهان سينج أحد القادة العالميين الذين يتفهمون جيداً الركود الاقتصادي العالمي الذي حدث مؤخراً، وكانت له آراؤه الخاصة عن أهمية أن يمضي العالم قدماً للأمام ويفعل ما يمكنه من تفادي حدوث انهيارات مالية اقتصادية مستقبلية شبيهة بالأزمة الحالية. والحقيقة أن مانموهان سينج، أصبح مرجعية اعتمد عليها الكثيرون من قادة العالم، بسبب معرفته العميقة بالمسائل المالية والاقتصادية. ولهذا السبب، فقد كانت لقمة بيتسبرج التي اعترفت بدور الاقتصادات الجديدة الصاعدة وحرصت على تمثيلها في قيادة الاقتصاد العالمي الجديد، أهمية خاصة بالنسبة للهند. والخطوة الأكبر والأكثر أهمية للهند هي رفع مجموعة الدول الـ20 إلى منبر دولي أول لمناقشة القضايا والمشكلات الاقتصادية العالمية. يذكر أن الهند ظلت تلح باستمرار على أهمية تمثيل الاقتصادات النامية في هذه المنابر، بهدف إعادة هيكلة النظام المالي العالمي. ذلك هو ما عبر عنه مانموهان سينج في لقاء صحفي عقده بعد انتهاء قمة بيتسبرج بقوله: "إنه لتطور مهم للغاية أن تتسع هياكل الحكم العالمي". وقد كانت تلك الخطوة أكثر من كونها رمزية. والسبب هو توقع استمرار هذا المنبر في قيادة الاقتصاد العالمي مستقبلاً ولمدة طويلة تلي نهاية أزمة الركود الاقتصادي الحالي. ففي نهاية الأمر كانت دول مثل الهند والصين -وكلتاهما من الاقتصادات الجديدة الصاعدة- هي الأقل تأثراً بتداعيات الأزمة المالية الاقتصادية العالمية، بل أظهرت هذه الدول مؤشرات نمو اقتصادي إيجابي رغم الأزمة التي عانت منها اقتصادات الدول المتقدمة. والحقيقة أن دولاً مثل الهند والصين والبرازيل لعبت دوراً كبيراً ومقدراً في الحيلولة دون انزلاق الأزمة إلى مراحل أسوأ وأكثر ضرراً مما وصلته. وهنا تنشأ أهمية الاقتصادات الصاعدة، خاصة وأن إجمالي ناتجها المحلي مجتمعة يعادل نصف إجمالي الناتج المحلي لبقية دول العالم الأخرى. وعليه فقد اعترفت قمة بيتسبرج الأخيرة بأهمية أن تعطى هذه الاقتصادات دوراً منصفاً لها في هياكل النظام المالي العالمي. وبالنتيجة أصبحت مجموعة الـ20 تضم الآن خمس دول آسيوية هي الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا، إضافة إلى ست دول نامية أخرى من بينها البرازيل والأرجنتين. ثم يبقى هناك تطور ثانٍ على قدر كبير من الأهمية، بذل رئيس الوزراء الهندي جهوداً كبيرة سابقة من التعبئة الإقليمية والدولية له. يتلخص هذا التطور في القرار الذي اتخذ بتحويل 5 في المئة من حصص مساهمات صندوق النقد الدولي من الدول المتقدمة إلى الأسواق والاقتصادات الصاعدة بحلول عام 2011. يذكر أن حصص مساهمات الصندوق تستخدم عادة لتخصيص حقوق التصويت. وعليه فإن منح الاقتصادات الصاعدة -ومن بينها الهند- نسبة 5 في المئة من تلك الحصص، يعني إعطاءها حقوقاً أكبر في صنع القرارات التي تتخذها المؤسسات المالية الاقتصادية الدولية. وتمثل الخطوة كذلك دفعة كبيرة باتجاه توسيع مساهمة كافة الدول في إدارة مؤسسات المال العالمية. في الوقت الراهن تعادل حصة الدول النامية حوالي 43 في المئة. وبعد زيادة نسبة الـ5 في المئة الأخيرة لنصيبها، سوف ترتفع حصتها الإجمالية إلى ما يقل عن نسبة 50 في المئة ببضع درجات فحسب. يذكر أن الهند والصين وروسيا والبرازيل كانت قد صارعت من أجل رفع الزيادة الأخيرة في حصص مساهمة الدول النامية إلى 7 بدلاً من 5 في المئة، حتى يصل نصيبها إلى 50 في المئة، غير أن ذلك الطموح لم يتحقق لها. ومع ذلك تعتبر زيادة الـ5 في المئة نفسها تنازلاً كبيراً من الدول المتقدمة لصالح الضغوط التي مارستها عليها الدول والاقتصادات النامية. والحقيقة أن قمة بيتسبرج الأخيرة كانت منبراً ملائماً لبدء عملية الإصلاح الشامل التي يتطلبها نمط الاقتصاد الرأسمالي العالمي. وإذا ما علمنا أن هذا النمط كان هو السبب الرئيسي للأزمة المالية الاقتصادية الراهنة، فقد ترجمت الحاجة الماسة للإصلاح الاقتصادي المالي لذلك النمط، إلى ممارسة وخطوات عملية. يحسب لتلك القمة إدراكها التام لأهمية الإصلاح الشامل للنمط الاقتصادي القائم، بغية تجنيب العالم اضطرابات اقتصادية كهذه. كانت القمتان السابقتان اللتان عقدتهما مجموعة الـ20، قد صادفتا وصول الأزمة المالية الاقتصادية العالمية ذروتها. وعليه فقد انصبت الجهود التي بذلت فيهما على تطوير استراتيجيات الحفز الاقتصادي وتوفير الموارد اللازمة لإنقاذ المؤسسات المالية الدولية. أما في الوقت الحالي، فقد بدأت الاقتصادات العالمية مرحلة التعافي من تأثيرات الأزمة. وعليه فإن قمة بيتسبرج الأخيرة تبدو معنية أكثر بالتخطيط لمستقبل الاقتصاد العالمي، وليس معالجة تأثيرات الأزمة الأخيرة. وهذا هو ما حدث بالفعل في قمة بيتسبرج الأخيرة التي كانت بمثابة موجه قوي لاقتصادات العالم وحافزاً على إصلاح الهيكل المالي العالمي. وكان بيانها الختامي الذي أصدره القادة الدوليون المشاركون فيها مفصلاً وعميق المعاني. وبالنسبة للأسواق الناشئة والاقتصادات الجديدة الصاعدة، كانت القمة اعترافاً رسمياً بأهمية الدور الذي تؤديه هذه الأسواق والاقتصادات في هيكلة الاقتصاد العالمي. وفوق ذلك كله ساعدت القمة على إنزال الدول المتقدمة من برجها العاجي لتخضع اقتصاداتها وسياساتها المالية لنظام المراجعة الندية من قبل الشركاء الآخرين. وكانت تلك التوصية من أهم التوصيات التي تبنتها القمة. يذكر أن هذه المراجعة سوف تتم تحت إشراف صندوق النقد الدولي، الذي برز مجدداً باعتباره المنظم المالي الرئيسي العالمي، ويقع عليه واجب الرقابة على تعافي أداء المؤسسات المالية والاقتصادية العالمية. أما بالنسبة للهند، فقد وفرت لها القمة منبراً دولياً مهماً كي تشارك من خلاله بقية قادة دول العالم في مهمة إدارة الاقتصاد العالمي. وعلى رغم صحة أن النمو الاقتصادي للهند يعتمد على ارتفاع الطلب المحلي وتزايد المدخرات المحلية، إلا إنه ليس معزولاً من المؤثرات الاقتصادية العالمية وما يمر به الاقتصاد العالمي من ركود وتراجع. وبالنتيجة فقد تأثرت صادرات الهند وتدفق رؤوس الأموال الاستثمارية الأجنبية إلى اقتصادها بتداعيات الأزمة المالية الاقتصادية العالمية الراهنة التي يرجح استمرارها لبعض الوقت. وهذا ما يستدعي بقاء الهند وشراكتها للأسرة الاقتصادية الدولية من مواقع القوة وليس الضعف. ولئن كان العالم بأسره قد لامسته تأثيرات وقرارات وتوصيات قمة بيتسبرج الأخيرة، فإن من المتوقع أن تمضي قمة الـ20 المقبلة التي ستعقد في كندا العام المقبل، خطوات أبعد مما وصلت إليه قمة بيتسبرج التي انتهت أعمالها مؤخراً.