ما أن استسلمت فكرة التجانس الثقافي للمجتمع أمام الواقع الذي تعيشه المجتمعات الإنسانية، حتى أصبحت عناصرها المؤثرة سلباً على سلامة المجتمعات وأمنها بادية للعيان، وبرغم أن عملية التجانس تم تشجيعها في المجتمعات الغربية إلا أنها أجبرت أولئك الذين أرادوا أن يكونوا مضمومين إلى المجتمع، وهم ليسوا أعضاء في مجموعة أصحاب الثقافات المهيمنة، على أن يعيشوا حياة فيها شيء من الغربة، وعن طريق اختصار هويتهم الثقافية في نطاق ضيق يجعلهم يبدون وكأنهم أصحاب شخصيتين، فهم أصحاب ثقافة خاصة في بيوتهم، ومواطنون عاديون في الشارع العام. وفي الوقت الذي سادت فيه تلك الفكرة كانت في البداية علاقة تدل على الحرية، ولكنها تحولت مع مضي الوقت، لكي تصبح دلالة على التمييز. لذلك فإن من المنطقي عدم إجبار أي فرد على الاحتفاظ بهويته الخاصة لنفسه ويفصح عنها في داخل بيته فقط، لأن التعددية الثقافية أمر يتعلق أساساً بالتصريح بالهوية الحقيقية. والواقع هو أن التعددية الثقافية تنادي بإصلاح المؤسسات وبإعادة بناء الشأن العام على أسس صحيحة تسمح لأفراد جميع الفئات الاجتماعية بجلب هوياتهم الخاصة وثقافاتهم وتاريخهم ولغاتهم إلى الواقع الاجتماعي المعاش. وفي عصر الدولة المتجانسة كانت توجد مقايضة واضحة تقوم على حفظ الهويات الخاصة للثقافات الاجتماعية المختلفة في مقابل ضم تلك الفئات إلى صميم المجتمع. ولكن في عصر الدولة متعددة الثقافات، يعتبر هذا النوع من المقايضة غير شرعي، فالأفراد يجب أن يسمح لهم بالحصول على المواطنة الكاملة دون أن يكون مطلوباً منهم التخلي عن هوياتهم الثقافية الضيقة. ولكن يلاحظ بأنه لا يمكن لجميع الفئات المسموح لها بإظهار هوياتها الضيقة وفقاً لمقولات التعددية الثقافية أن تتمتع بتلك الميزة، فهوية بعض الجماعات تفسخت وذابت ضمن الهوية المهيمنة في المجتمع إلى درجة أنه لا يمكن إحياؤها مرة أخرى، وربما أن ذلك يشكل جوهر المشكلة الإثنية في السودان التي تصطبغ بمحاولات طمس لغات وأديان ومعتقدات وثقافات وهويات المجتمع المتعددة في الجنوب والغرب والشمال ضمن هوية الثقافة المهيمنة. بالنسبة لأفراد الجماعات التي تعرضت للتجارب الخاصة بإذابة الهوية الإثنية والثقافية واللغوية تكون قد مرت بتغييرات كبيرة فقدت معها بنيتها كجماعات خاصة، وأصبحت لا تستطيع لعب أدوار أكثر من كونها أدوارا رمزية فقط. وبالنتيجة فإن تلك الجماعات أصبحت حاقدة في الخفاء وتتحين الفرص التي يمكن لها أن تستغلها لكي تثور في وجه من أفقدوها هويتها الحقيقية. وربما أن ذلك هو السبب الذي يقبع بعمق شديد في أوساط فئات المجتمع السوداني غير العربية وغير المسلمة. وما هو صحيح بالنسبة للسودان قد يكون صحيحاً أيضاً في مجتمعات أخرى كالولايات المتحدة الأميركية ذات المجتمع معقد التركيب، لذلك فإن الضرر الذي تحدثه محاولات الضم والتغيير العميقة صعّب الرجوع منها من قبل من يقومون بها، ولكنها تخفي جمراً حارقاً تحت رمادها. أما بالنسبة للذين يتم استبعادهم أو إقصاؤهم وسلب قوتهم السياسية، أو أولئك الذين ينأون بأنفسهم طواعية عن الحياة السياسية ويتم السماح لهم بالاحتفاظ بهوياتهم، فإنه عندما يتم السماح لهم بدخول السياق العام للمجتمع تحت مظلة التعددية الثقافية، يأتون إليه وهم يحملون معهم ثقافاتهم الخاصة ودياناتهم، وربما عاداتهم وتقاليدهم ولغاتهم. لذلك فإن من غير المدهش أن يكون الذين يستطيعون التمتع بالتعددية الثقافية هم أفراد ينحدرون من جماعات عانت كثيراً من الإقصاء المتعمد. ثقافة هذه الجماعات عندما تكون مختلفة عن ثقافة بقية السكان، ونتيجة لذلك يجد أفرادها أنفسهم في خلاف شديد مع الأنماط العامة وأشكال التصرف السائدة، لذلك فإن الحفاظ على تماسك دولة متعددة ثقافياً ويمارس سكانها عادات ثقافية مختلفة يعد أمراً صعباً للغاية. وتتماشى النظم الثقافية المتعددة بشكل أفضل مع أنماط التعددية الثقافية التي تنتج عن السياسات غير المكتملة، وفي مثل هذه الحالات تقوم قدرة المؤسسات السياسية على العمل على التأثير الحر للمضمومين في الدولة المتجانسة المستقرة التي تسمح بشيء من الجماعية ولو بدرجة رمزية. إن التعددية الثقافية تصبح إشكالية في الحالات التي تم بناؤها من قبل إيديولوجيات أصحاب الثقافة السائدة في المجتمع. التعددية الثقافية نموذج أساسي في طور التشكل ومدلولاتها لا تزال غير معروفة، وربما أن العديد من الالتباسات الاجتماعية والسياسية والدينية لوقتنا الحاضر تعزى لعدم القدرة الكاملة على فهم التعددية، والتي يخشى العديدون من أن تقود إلى التفكك السياسي.