أكدنا في المقال السابق أن العلاقة بين "الدين والدولة" في المرجعية التراثية الإسلامية لا تجد تحديدها لا في القرآن ولا في السنة، بل تجده في الحقائق التاريخية التي ذكرناها. وهذا الحكم العام يقتضي لإثباته بيان نوع المرجعية أو المرجعيات التي اعتمدها "أهل الحل والعقد" قبل أن تصير "الحلول" التي اختاروها "حقائق تاريخية". وهذا ما نبينه في هذا المقال. إن عدم وجود نص صريح في القرآن الكريم يعالج مسألة "ولاية الأمر" جعل من "الحديث" وعمل الصحابة زمن الخلفاء الراشدين المرجعية الوحيدة التي كانت تلتمس منها الشرعية الدينية لقضايا السياسة: كل فرقة وكل حزب وكل حاكم يروي من "الأحاديث" ما يضفي به الشرعية على موقفه السياسي. وهكذا راجت أحاديث ظاهرة الوضع تمدح أو تذم هذا الشخص أو ذاك، هذه الفرقة أو تلك... وإذا كان كثير من رجال الحديث قد نقدوا الروايات وميزوا بين السند الصحيح وغير الصحيح، حسب مقاييس وضعوها، فإن تصنيفهم للحديث إلى صحيح وغير صحيح وتحديد الدرجات بينهما لم يكن يدخل في الحساب صحة أو عدم صحة "مضمون" الحديث نفسه، لكونه "كلام النبي" لا يناقش، بل يؤخذ كنص شرعي، ليس موضوعاً للنظر، لا تعديلا ولا تجريحاً، إذا صح إسناده. أما رجال السياسة والدعاة والخطباء والوعاظ والقصاص فقد كانوا يروجون للحديث بسند أو بغير سند، والمهم عندهم هو توظيف مضمونه في أغراضهم السياسية. ومن هنا كان الحديث الموضوع لا يقل تأثيراً عن الحديث الصحيح، بل ربما كان أكثر تأثيراً لأن واضعه يصوغه بالشكل الذي يخدم قضيته مباشرة، هذا فضلا عن توظيف ما صح سنده من الحديث توظيفاً يخرج به عن نطاق دلالته الأصلية، عن مجال "أسباب نزوله"، إلى نطاق آخر ومجال آخر، وذلك من خلال التعميم والتأويل والمماثلة... الخ. وإذا نحن تركنا جانباً الأحاديث التي تروى في حق الأشخاص والفرق، سواء على سبيل المدح أو على سبيل الذم، لأن تأثير هذا النوع ظرفي في الغالب، وحصرنا انتباهنا في الأحاديث الأخرى التي تعالج المسألة السياسية في عموميتها، وبدون تحزب واضح لهذه الجهة أو تلك، فإننا سنجدها تتمحور حول موضوعين رئيسيين: ضرورة وجود الإمام، ووجوب الطاعة له. ومع أن كثيراً من الأحاديث التي تروى في هذين الموضوعين يمكن أن تكون قد وضعت لتخدم هذا الحاكم أو ذاك، في هذا العصر أو ذاك، فإنه يمكن النظر إليها على أنها تعكس في مضمونها نزوع الضمير الإسلامي، والسني منه خاصة، إلى قبول "الأمير" كيفما كان -شريطة أن يُظهر الإسلام- وذلك حفاظاً على "وحدة السلطة" التي تتجسم في القدرة على فرضها على "الجميع"، لأنه بدون "وحدة السلطة لا يستقيم أمر الدين"، خصوصاً وكثير من الفرائض والأحكام يتوقف أداؤها وتنفيذها، كما جرى الحال زمن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، على وجود الإمام (صلاة الجمعة، الحج، الحدود، حماية الثغور، الجهاد... الخ). وفي هذا الإطار يجب أن نضع الأحاديث التي تدعو إلى طاعة الإمام وعدم الخروج عن الجماعة بقطع النظر عن صحة هذه الأحاديث أو عدمها. ومن الأحاديث "الصحيحة"، حسب مقاييس البخاري، ما يرويه عن النبي، صلى الله عليه وسلم، من أنه قال: "من كره من أميره شيئاً فليصبر، فإنه من خرج عن السلطان شبراً مات ميتة جاهلية"، وفي صحيح مسلم أن النبي قال: "إنه سيكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة، وهي جمع، فاضربوه بالسيف كائناً من كان". وفيه أيضاً عن النبي أنه قال: "سيكون أمراء تعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ ومن أنكر سلم. ولكن من رضي وتابع؟ قالوا أفلا ننابذهم؟ قال: لا، ما صلوا". وفيه أيضاً أنه قال: "من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئاً من معصية فلينكر ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة". وإذا أضفنا إلى هذا النوع من الأحاديث، وجلها يعتبر صحيح السند، الحديث الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك"، والذي يعتبره بعض علماء أهل السنة ليس صحيحاً من حيث السند فحسب، بل "صحيح" كذلك من حيث المضمون لأنه "من دلائل النبوة"، بمعنى أن النبي تنبأ فيه بما سيكون فكان: (مجموع خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة ثلاثون سنة)، أقول إذا أضفنا هذا الحديث إلى الأحاديث التي أوردناها قبل، أمكننا أن نخلص إلى النتيجة التالية وهي أن فقه السياسة سيكون محكوماً بثلاثة ثوابت: (1) ضرورة الإمام (السلطة التي يخضع لها الجميع)، (2) لزوم طاعة الإمام (ما لم يأمر بمعصية)، (3) نظام الحكم بعد الخلفاء الراشدين ملك دنيوي. وواضح أن هذه الثوابت تسد الباب نهائياً أمام أية نظرية إسلامية في الحكم، وبالتالي فما يسمى بـ "نظرية الخلافة" عند أهل السنة إن هو إلا اسم بغير مسمى، إذا أخذنا النظرية، بمعنى التشريع للكيفية التي ينبغي أن يكون عليها الحكم. ذلك لأن حديث "الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك"، يجعل الكلام عن "الخلافة" بعد الخلفاء الراشدين غير ذي موضوع، إلا إذا كان المقصود هو بيان الكيفية التي سارت عليها الخلافة زمن الراشدين، وفي هذه الحالة سنكون أمام تأريخ لواقع مضى وليس أمام نظرية للحاضر ولا للمستقبل (لأن الأزمنة التي جاءت، أو ستجيء، بعد الخلفاء الراشدين يحكم عليها الحديث المذكور بأنها لن تعرف غير الملك العضوض). وهذا الحكم لا يفيد أن الإسلام دين، لا غير. نحن نرى أن الإسلام دين في أساسه ومقاصده، ولكن بما أنه يشتمل على جملة أحكام تتطلب وجود "سلطة" تقوم بتنفيذها، سلطة عبر عنها القرآن بـ "ولي الأمر" ("أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم") من جهة، وبما أنه من جهة أخرى لم يشرع لـ "ولاية الأمر" كما شرع لأمور الدين، بل تركها لاجتهادات المسلمين، فقد اعْتُبِرت مسألة دنيوية مصلحية تدخل في نطاق قوله عليه الصلاة والسلام : "أنتم أدرى بشؤون دنياكم". والدليل القاطع على ذلك اجتماعُ الصحابة في سقيفة بني ساعدة بالمدينة إثر وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قصد المداولة في موضوع "ولي الأمر" من بعده. فلو كان الإسلام قد بين شكل الحكم وطريقته لمَا اختلفوا حول من يخلف النبي صلى الله عليه وسلم، ولَمَا اختلفت طرق تعيين الخليفة زمن الخلفاء الراشدين أنفسهم. إن مسألة الحكم في الإسلام مسألة مصلحية اجتهادية، ولذلك اختلف المسلمون حولها، وقد حُلَّ الخلاف زمن أبي بكر وعمر وعثمان بنوع من "التوافق" القائم على التشاور واعتبار ميزان القوى. أما بعدهم فقد تركز الخلاف بين طرفين: فريق شايع علياً بن أبي طالب وأطلق عليهم فيما بعد اسم "الشيعة"، وفريق آخر ناصروا خصمه معاوية وقد أطلق عليهم فيما بعد اسم "أهل السنة والجماعة". ولما كان الشيعة قد قالوا بأن الإمامة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هي لعلي بن أبي طالب ويرفضون الاعتراف بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان فلقد كان على أهل السنة أن يردوا على هذا "الرفض" بإثبات شرعية إمامة هؤلاء الخلفاء الثلاثة واستحقاقهم الخلافة قبل علي بن أبي طالب مع أنه أقربهم نسباً إلى الرسول وأسبقهم إسلاماً، مستندين إلى مبدأ وضعوه ينص على "جواز تولية المفضول مع وجود الأفضل" إذا دعت الضرورة إلى ذلك. وهكذا، فأمام غياب النص الديني الذي لا يمكن أن ينازع فيه أحد، يبقى المرجع الوحيد هو "ما تفرضه الضرورة". وعلى أساس هذا "المبدأ" تم قبول "انقلاب الخلافة إلى ملك" مع معاوية. ذلك أنهم وجدوا أنفسهم أمام هذا الاختيار: إما قبول استمرار الفتنة والحرب الأهلية المتسلسلة... وإما قبول "الأمر الواقع" الذي فرضه معاوية وقبيله، وإضفاء نوع ما من الشرعية عليه، ما دام الحاكم يظهر إسلامه ولا يأمر بمعصية. وبما أن مهمة "ولاية الأمر" في الإسلام ومبرر وجودها، منذ أن قامت -حين هاجر النبي عليه الصلاة والسلام إلى يثرب (المدينة) وعقد مع سكانها العقد المعروف بـ "صحيفة النبي" والذي اعترفت فيه جميع الأطراف بكون النبي هو "ولي الأمر" فيهم، فإن شرعية "ولي الأمر"، سلطاناً كان أو ملكاً مغتصباً للحكم، تقوى وتتعزز بمقدار ما يعمل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، أعني توسيع دائرة الإسلام، وجمع شمل المسلمين ومن يُساكنهم، تحت قيادة واحدة للدفاع عن دار الإسلام. وهذا ممكن في حالة واحدة وهي القول بأن "التاريخ يعيد نفسه"!