شهدت الأيام القليلة الماضية تتابعاً غير مسبوق للكوارث الطبيعية التي ضربت أجزاء مختلفة من العالم، وخصوصاً الجزءين الجنوبي والشرقي من القارة الآسيوية. ففي الأسبوع الماضي ضرب زلزال مروع جزيرة سومطرة الإندونيسية، وخصوصاً حول منطقة \"بادانج\"، مخلفاً أكثر من أربعة آلاف قتيل حسب بعض التقديرات، وهو العدد الذي يتوقع له أن يزداد بمرور الوقت. وقبلها بأيام قليلة ضرب إعصار \"كتسانا\" كلا من الفلبين، وكمبوديا، ولاوس، مخلفاً وراءه مئات القتلى، ومئات الآلاف من المصابين والمشردين. ويتوقع خلال الأيام القليلة القادمة أن تتعرض المناطق سابقة الذكر نفسها للمزيد من الدمار، عندما يمر بها إعصار \"برما\"، مما دفع الحكومة الفلبينية لإخلاء عشرات الآلاف من منازلهم، تجنباً لفقد المزيد من الأرواح. وفي الهند لقي العشرات مصرعهم في ولايتي \"كارناتكا\" و\"آندرا براديش\" نتيجة الفيضانات التي نتجت عن سقوط أمطار غزيرة خلال الأيام القليلة الماضية. وحتى الدول الأوروبية، لم تسلم هي الأخرى من مسلسل الكوارث خلال الأسبوع نفسه، حيث لقي 21 شخصاً مصرعهم في جزيرة صقلية الإيطالية، نتيجة انهيار أرضي جرف القرى والمنازل والسيارات، ودفن الكثير من الضحايا أحياء. وفي المنطقة العربية، تسبب الصراع الدائر بين الحكومة اليمنية والحوثيين في نزوح عشرات الآلاف وتحولهم إلى لاجئين، وهو إن كان كارثة غير طبيعية، أي كارثة من صنع البشر، إلا أنه يعتبر كارثة بجميع المقاييس للمتأثرين به من الرجال والنساء والأطفال. وهذه الأحداث التي وقعت الأسبوع الماضي، تتكرر كل عام، وعاماً بعد عام، متسببة في مقتل الآلاف، وأحياناً مئات الآلاف سنوياً، مما يجعل الكوارث الطبيعية وتلك التي من صنع الإنسان، أحد أهم أسباب الوفيات بين أفراد الجنس البشري. وللأسف، أصبحت الكوارث التي تنتج عن فعل بشري، جزءاً لا يستهان به من الكوارث التي تقع بشكل متكرر. وتقسم الكوارث التي تنتج عن السلوك البشري إلى نوعين: النوع التقني الذي ينتج بسبب الإهمال، أو الخطأ، أو فشل التكنولوجيا، والنوع الاجتماعي السياسي مثل الأعمال العدائية بين الدول أو داخل الدولة نفسها، مثل التمرد المسلح داخل نفس الدولة، أو الحرب واسعة النطاق بين دولة وأخرى. وأمام الثمن الإنساني الفادح، والدمار الاقتصادي الذي تخلفه الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، عمدت المجتمعات الحديثة إلى تنظيم وتنفيذ ما يعرف بإدارة الطوارئ والكوارث (Disaster Management)، كنوع من الاستجابة المجتمعية المنظمة للكوارث، بغرض خفض الثمن الإنساني وتقليل الضرر الاقتصادي الناتج عنها. وهذه الاستجابة تتضمن العديد من الجوانب، وربما كان أهمها الجانب الطبي. وهذه الأهمية نتج عنها ظهور فرع، أو تخصص جديد نوعا ما في عالم الطب، هو طب الكوارث (Disaster Medicine). وهو الفرع المختص بتحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو توفير الرعاية الطبية الآنية والسريعة للناجين من الكوارث، والثاني المشاركة بالرأي المتخصص والفني في المراحل المعروفة بدورة حياة الكارثة (Disaster Life Cycle)، والتي تتضمن التحضير (preparation)، والتخطيط (Planning)، والاستجابة (Response)، والاستعادة أو الاسترداد (Recovery). ويعنى أخصائي واستشاري طب الكوارث بتوفير الرأي، والخبرة، والنصيحة في جميع هذه المراحل، في كل من الأماكن التي تعرضت للكارثة، وأيضاً في الأماكن التي يتم إخلاء المصابين إليها للعلاج لتوفير مستوى أعلى من الرعاية الصحية. وفي الآونة الأخيرة، ظهر جانب جديد للمشاركة الطبية في التعامل مع الكوارث، وهو جانب الوقاية. فالأعاصير والفيضانات والانجرافات الأرضية، يعتقد البعض أنها كثيراً ما تكون نتيجة التغيرات المناخية التي يتعرض لها كوكب الأرض، ضمن ظاهرة الدفء العالمي أو الاحتباس الحراري. وهي الظاهرة التي يعتقد كثير من العلماء والباحثين، أنها تمثل أكبر خطر صحي يهدد أفراد الجنس البشري في القرن الحادي والعشرين. وهذا الرأي عبر عنه تقرير نشر بداية الصيف الماضي في مجلة \"اللانست\" (The Lancet)، وهي إحدى أشهر الدوريات الطبية في العالم وأكثرها احتراماً. فمن خلال تقرير أعدته هيئة التحرير العلمية للمجلة، وبالتعاون مع باحثي جامعة \"يونيفرسيتي كوليدج لندن\"، تم رسم الخطوط العريضة للتأثيرات السلبية التي ستنتج عن التغيرات المناخية المتوقعة، وكيف يتعين على الخدمات الصحية في مختلف أنحاء العالم الاستعداد لذلك واتخاذ التدابير اللازمة لمواجهة تلك التأثيرات. وهذه التدابير تستلزم في الكثير من الأحيان تعاون عدة منظمات محلية ودولية، وتنسيق جهودها بشكل يجعلها أكثر فعالية على أرض الواقع. وغالباً ما يتم هذا التنسيق تحت مظلة عباءة منظمة الصحة العالمية. وهو ما اتضح خلال استجابة المنظمة في الأسبوع الماضي لهجمة الكوارث التي شملت عدة دول، مثل إندونيسيا، والفلبين، وفيتنام، وكمبوديا، وغيرها، وتضمنت أنواعاً مختلفة، بداية من الأعاصير والفيضانات، مروراً بالزلازل، ونهاية بموجات التسونامي التي ضربت أيضاً خلال الأسبوع نفسه جزر \"ساموا\" في المحيط الهادي، ونتج عنها مقتل المئات، وجرح الآلاف. وإدراكاً لأهمية دور منظمة الصحة العالمية في أوقات الكوارث، أنشأت المنظمة فريق عمل كاملا متكاملا (Disaster Management Team)، يعتبر نقطة الاتصال الأولى للدول التي تعرضت لنوع أو آخر من الكوارث، وهذا الفريق هو المركز العصبي للجهود الدولية الرامية إلى إنقاذ وإغاثة للمتضررين. وإن كان عمل هذا الفريق، وغيره من الجهود المبذولة في هذا المجال، يصب جميعاً في مرحلة ما بعد الكارثة، أو محاولات توقع الكوارث والتنبؤ بها، ومن ثم بذل الجهود لمنعها ووقفها، فهو مجال علمي لا زال في مراحله الأولى، وإن كان مجالا واعداً بدرجة كبيرة.