ليس صعباً أن ندرك مدى الشوق الذي انتاب الرئيس أوباما قبل الطيران إلى كوبنهاجن بهدف المساهمة في تعزيز فرص فريق شيكاغو للفوز بالمباريات الأولمبية الجارية هناك. ذلك أن الشيء الوحيد الذي نجح فيه أوباما حتى الآن هو مقدرته الفائقة على تسويق نفسه في صور جذابة لدول وشعوب العالم الخارجي. غير أن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى قائد أعلى للتسويق على أية حال، لأن التسويق ليس كافياً وحده لسد رغبة الأميركيين الماسة في القيادة السياسية القادرة على الوفاء بما تعد به. فعلى سبيل المثال أتاح النجاح النسبي الذي حققته حزمة الإنقاذ الاقتصادي مساحة ما مكنت الرئيس من التقاط أنفاسه لبعض الوقت. ولكن لا يزال على الإدارة القيام بالكثير من الجهد الهادف لإنشاء وظائف جديدة خلال المستقبل القريب. ذلك أن إنقاذاً اقتصادياً يرفع مؤشرات البورصات الأميركية ويحشو جيوب مديري مؤسسات "وول ستريت" المالية بالمزيد من العلاوات والبدلات، بينما يبقي معدلات البطالة متفشية بين واحد من كل 10 من المواطنين الأميركيين، لا يمكن أن يسمى إنقاذاً، إذا استخدمنا لغة المنطق والواقع. وفي مجال الرعاية الصحية كذلك، ربما يتمكن أوباما من تليين عناد الكونجرس والحصول على موافقته على إجازة تشريع قانون إصلاح الرعاية الصحية الذي تتبناه إدارته. ولكنه سيضطر للاعتراف قريباً جداً بأن إصلاحاً لنظام رعايتنا الصحية، يرغم كافة المواطنين على شراء التأمين الصحي الخاص بهم، دون أن يتزامن مع ذلك الإرغام توفر خيارات عامة قادرة على تحديد سقف لأسعار خدمات الرعاية الصحية والأدوية، لن يكون أيضاً إصلاحاً بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، بل سيكون أمطاراً ربحية تهطل دولارات على خزانات شركات التأمين الصحي. وحين يصل الأمر إلى التحديين الرئيسيين اللذين تواجههما سياسات إدارته الخارجية: الأزمة النووية الإيرانية، والحرب في أفغانستان، فسرعان ما تضيق المساحة التي يستطيع أوباما التحرك فيها. فالمعضلة الكبرى هنا بالذات، تكمن في سوء كافة الخيارات المتاحة أمامه. فلا سبيل للهرب من مواجهة الأزمة الإيرانية. والحق أن مشهد الأزمة الإيرانية يبدو معقداً للغاية. ذلك أن خلافاً حاداً يسود أجهزة ووكالات استخبارات الدول الغربية بشأن البرنامج النووي الإيراني، حسب التقرير الإخباري الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" مؤخراً. فبينما تعتقد وكالة "سي آي إيه"-بناءً على أنشطة تجسس إلكتروني واختراقات لنظم طهران وأجهزتها- أن إيران لم تخطُ خطوة واحدة نحو تصميم أي من الأسلحة النووية منذ عام 2003. خلافاً لذلك تعتقد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية أن طهران قد استأنفت العمل في برامج أسلحتها النووية. أما أجهزة الاستخبارات الألمانية فتتشكك من ناحيتها في أن تكون تلك البرامج قد توقفت ولو ليوم واحد أصلا. إلى ذلك تعتقد الأجهزة الفرنسية أن تكنولوجيا طهران النووية، أكثر تقدماً مما يعتقده كثيرون. هذا وقد أثار الكشف مؤخراً عن وجود منشآت نووية سرية إيرانية، شكوكاً جديدة في أن يكون برنامج إيران النووي موزعاً ويجري فيه العمل في مناطق متفرقة من البلاد، أكثر مما كان يحسبه المجتمع الدولي. ومهما يكن فإن من الواضح ألا يبدي ثيوقراطيو طهران الموجودون في سدة الحكم أي تنازل طوعي عن طموحاتهم النووية مهما كانت شدة الضغوط الممارسة عليهم. وربما يرغمهم تشديد العقوبات الاقتصادية المقترحة على تنازل كهذا إلى حد ما. ولكن تظل البرامج النووية -شأنها شأن برامج الصواريخ- في يد التيار المحافظ، الذي ترسخ دوره خلال السنوات الأخيرة باعتباره القوة الكبرى في البلاد. وربما تمكنه هذه القدرات والإمكانات الكبيرة من التخفيف من وطأة العقوبات الاقتصادية التي عادة ًما تحيل حياة الشعوب -وليس الحكومات والأنظمة- إلى قطعة من الجحيم. يضاف إلى ذلك أن الخيار العسكري ليس حلا للمشكلة، سواء كان عن طريق ضربة أميركية أم إسرائيلية للمنشآت الإيرانية. ذلك أن أي ضربة عسكرية لن تفعل شيئاً سوى إبطاء العمل في برامج نووية سرية يبدو أنه تم توزيعها بكثير من الحرص والحذر. كما أن من عيوب الخيار العسكري الرئيسية أنه قد يطلق موجة جديدة من الإرهاب. وفيما يتعلق بالخيارات المتاحة لأوباما في أفغانستان، يكفي القول إن هذه الدولة المفككة عرفت دائماً بأنها مقبرة لجيوش الدول العظمى. وبسبب ضعف نظام حكمها وتزايد المخاطر الأمنية فيها، فهي أصعب مكان في الأرض يمكن أن نصر على الاستمرار في مشروع لبناء الأمة فيه. وعليه وفيما لو أمكن لأوباما سحب جنوده من أفغانستان، فإن خطوة كهذه ستكون مؤلمة للأفغان. ولكن المشكلة أنه لا تتوافر خيارات كثيرة جيدة هناك أيضاً. والخيار كما ورد في عبارة جون كنيث جالبريث الشهيرة عن سياسة العمل الدبلوماسي: هو في نقطة ما بين الخيار الكارثي وذلك الوهمي الذي لا يتحقق. تيم روتن ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"