السؤال الأكثر أهمية بعد أن تابع العالم كلمة أوباما من على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، يتعلق بنوايا الرئيس الأميركي، وهل يعلن عن مشروعه للسلام الذي ترقبناه وتوقعنا أن نستمع إلى خطوطه في خطاب الجمعية العامة؟ الملابسات التي صاحبت الخطاب وخلوه من المشروع المنتظر قد حفزت كثيراً من الساسة والمعلقين في معسكر "اليمين" الإسرائيلي إلى الاحتفال بالنصر على الرئيس الأميركي. قال هؤلاء ما معناه إن الرئيس الأميركي قد دخل معركة منذ شهر أبريل مع رئيس الوزراء نتنياهو بواسطة المبعوث ميتشيل وكان هدفه فيها إرغام حكومة "اليمين" الإسرائيلية على قبول مطلب تجميد الاستيطان، وهو المطلب المنصوص عليه في المرحلة الأولى من خطة خريطة الطريق تمهيداً لإطلاق المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية والإعلان عن المشروع الأميركي للسلام ليكون خطة خريطة الطريق الجديدة التي تحمل اسم الرئيس أوباما. ورأى المعلقون الإسرائيليون إن هذه المعركة قد انتهت قبل ساعات من خطاب الجمعية العامة بانتصار حاسم لنتنياهو. وراح المعلقون يسخرون من الأصوات الإسرائيلية، التي كانت تتصاعد من حزب "كاديما" لتحذر من مغبة تحدي نتنياهو لرئيس الدولة الأعظم، وتنذر بالمخاطر التي ستتعرض لها مصالح إسرائيل إذا واصل نتنياهو رفضه لمطلب أوباما. قال أنصار نتنياهو محددين جوانب النصر، الذي حققه أنه لم يرضخ مثل الآخرين لمطلب تجميد الاستيطان بل على العكس حافظ عليه وعلى تزايده ونموه، وكذلك فإنه استطاع أن يحافظ على مستوى العلاقات المتميزة بين إسرائيل والولايات المتحدة التي لم تتأثر بفعل رفضه أضف إلى ذلك أنه أرغم الرئيس الأميركي على ابتلاع شرطه لإطلاق المفاوضات ودفعه دفعاً إلى الضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس ليبتلع بدوره الشرط الذي ظل يردده لشهور بأنه لن يقابل نتنياهو أو يبدأ المفاوضات من دون تجميد الاستيطان. لقد رأى المعلقون "اليمينيون" وغيرهم في إسرائيل الملامة الأكيدة على انتصار نتنياهو ممثلة في اللقاء الثلاثي، الذي دعا إليه أوباما وضم عباس ونتنياهو على هامش الجمعية العامة، كما أظهروا الاحتفال بذلك التواضع الذي طرأ على مصطلحات الرئيس الأميركي، حول الاستيطان، حيث توقف عن استخدام مصلح تجميد في مؤتمره الصحفي قبل اللقاء الثلاثي وبدأ يستعمل مصطلحاً أكثر تواضعاً وهو مصطلح فرملة أو لجم (restrain)، لقد علق نتنياهو نفسه على هذا التغيير في المصطلحات باعتباره علامة على اقتراب الرئيس من الموقف الإسرائيلي. بالإضافة إلى هذا كله فقد رأى المعلقون في قول أوباما أنه يدعو إلى استئناف المفاوضات من دون شروط مسبقة تعاطفاً مع المطلب الإسرائيلي في عدم اشتراط تجميد الاستيطان لاستئناف المفاوضات. هذه الملابسات التي صاحبت خطاب أوباما في الجمعية العامة تدعونا اليوم إلى التساؤل ما إذا كنا سنشهد ميلاد مشروع للسلام يعبر عن الرؤية الأميركية، ويمثل صورة لنهاية الطريق أم أن الأمور ستبقى في منطقة الدعوة العامة لاستئناف المفاوضات التي لم تؤد إلى شيء من قبل مع حكومات إسرائيلية أقل تطرفاً والتي لن تؤدي إلى أي حل مقبول عربياً مع حكومة "اليمين" ذات الأطماع التوسعية المعلنة. الكلمات العربية التي ألقيت في الجمعية العامة كانت ترحب بالمبادئ والمواقف التي دعا إليها أوباما في خطابه حول إنهاء الاحتلال للأرض العربية والذي بدأ عام 1967 وفي الوقت نفسه كانت تلح على أن يضطلع الرئيس أوباما بدوره التاريخي في ملف السلام بالإعلان عن تصور أميركي دولي للحل النهائي يتفق مع مبدأ عدم جواز الاستيلاء على أرض الغير بطريق القوة. لقد تضمنت كلمة دولة الإمارات التي ألقاها سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية رؤية لمقتضيات السلام الشامل في قوله: "إن تحقيق السلام الدائم والعادل والشامل مع منطقة الشرق الأوسط يستوجب من إسرائيل إتمام انسحابها الكامل من كافة الأراضي العربية المحتلة في فلسطين ومرتفعات الجولان السوري المحتل إلى خط الرابع من يونيو 1967 وما تبقى من الأراضي اللبنانية المحتلة في جنوب لبنان طبقاً لمبدأ الأرض مقابل السلام وقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية ومتطلباتها أن تمتع الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال والرخاء الاقتصادي والسلم الأهلي لا يتأتى إلا بزوال الاحتلال الإسرائيلي الذي طال أمده وتفكيك الجدار وإزالة المستوطنات من الأراضي المحتلة وإعادة الحقوق المشروعة غير القابلة للتصرف وتمكين السلطة الفلسطينية من امتلاك المجموعة الكاملة من الأدوات المتاحة للدولة المستقلة". ترى هل نطمع في أن يصدر مشروع أوباما متضمناً هذه الصورة للحل النهائي ولنهاية الطريق حتى لا نبقى في منطقة المبادئ العامة.