استأثرت الدول الإسلامية غير العربية باهتمام الباحثين الإسرائيليين في الشؤون الإقليمية، فأصدرت الجامعة العبرية مثلا كتاباً يتناول "نهضة الإسلام في تركيا الحديثة"، وآخر يدرس "العلاقة بين الدين والقومية في تركيا"، وكتاباً عن "اللغة التركية". كما نشرت الجامعة مؤلفاً حول "الإسلام والمؤسسات الإسلامية في ماليزيا 1875 - 1941". كما خص البروفسور "نحميا ليجستون" تاريخ الإسلام في القارة الأفريقية بعشرات الكتب بالإنجليزية والفرنسية والعبرية، تحت عنوان "تغلغل الإسلام في أفريقيا". وانطلقت الجامعة العبرية في القدس منذ السنوات الأولى لتأسيسها بنشر وتحقيق وترجمة بعض كتب التراث العربي - الإسلامي ولا تزال. وقد اهتمت الجامعة منذ منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين، ضمن مشروع كبير متعثر، طبع وتحقيق كتاب "أنساب الأشراف" للبلاذري. كما وجهت عناية خاصة إلى أبي حامد الغزالي، وكذلك في ترجمة "ألف ليلة وليلة". كما ترجمت الجامعة العبرية "مختصر تاريخ مصر" للجبرتي"، و"مختارات من الفكر المصري المعاصر". ويقول الأستاذ إبراهيم عبدالكريم عن "الاستشراق وأبحاث الصراع لدى إسرائيل"، الذي عرضنا جوانب منه، إن الأمانة العامة لاتحاد المؤرخين العرب أشارت في بيان صادر عنها في فبراير 1986 إلى أن "غالبية الكتب المحققة من قبل المستشرقين الإسرائيليين - من الأعمال الصوفية أو من تلك التي تعتمد على بحث الفضائل - ليست من القضايا الأساسية في الثقافة والفكر الإسلاميين، ولكنها في الوقت ذاته من الأعمال التي تستهوي المناهضين للإسلام للبحث في ثناياها عن أمور لا تتفق وروح الإسلام، والتي يمكنهم من خلالها استخلاص نقاط ضعف، تُوجه ضد العقيدة الإسلامية". وبمقتضى هذه الإشارة، يقول عبدالكريم، إن انشغال الباحثين في إسرائيل بالنتاجات الصوفية ليس بريئاً. "فنحن هنا أمام حالة من الاستشراق تشبه إلى حد كبير ما قام به المستشرقون الإنجليز - مع براون ونيكسون ثم آربري - الذين كتبوا في التصوف الإسلامي وحوله بأيديولوجية مرتبطة بالمصالح البريطانية في إيران والبلاد الإسلامية، وبموقف أوروبي إزاء حضارة خارج حضارة العرق الأبيض أو الرجل النبيل. فتحت هذه الطريقة الاستشراقية والأيديولوجية تندرج أعمال الكتاب والمستشرقين الصهاينة عن العرب والإسلام". وهذا رأي يقتبسه المؤلف عن د. علي زيعور في كتابه العقلية الصوفية ونفسانية التصوف: "التحليل النفسي للذات العربية"، 1979، كما يشير في الهامش. ويمضي كالعديد من المثقفين العرب مشككاً في أهداف الاهتمام بالتصوف من الغرب والمستشرقين، رغم أن هؤلاء يهتمون بأشياء كثيرة، وأحياناً بما يهمل المسلمون دراسته أو تمنعهم السلطات الأكاديمية أو الحكومية أو الشعبية من الخوض فيها! فنراه يقول معلقاً: "إن المستشرقين الإسرائيليين ليسوا ببعيدين عن انشغال أقرانهم ونظرائهم الغربيين واليهود والصهيونيين في العالم بالمتصوف العربي الإسلامي الكبير محيي الدين بن عربي، منذ عدة سنوات، حيث يعد هؤلاء دراسات وأبحاثاً مستفيضة ومعمقة عنه، وكان متوقعاً أن يعقدوا مؤتمراً علمياً حوله عام 1990 بمناسبة مرور 825 سنة على ولادته". ويشير أ. عبدالكريم إلى مقال للأستاذ جهاد فاضل يهاجم فيه هذا الاحتفاء بابن عربي بعنوان "اليهود يفخخون ابن عربي"، ويشير فيه إلى أنه،(في فكر هذا المتصوف يلتقي الإسلام بالمسيحية واليهودية، فهو من دعاة "وحدة الأديان" كما هو من دعاة "وحدة الوجود" . والأكيد أن العلماء الغربيين - وضمناً على ما يبدو العلماء اليهود - يريدون تبليغ العالم الإسلامي "رسالة ما" عبر هذا الاهتمام بابن عربي، لا يستبعد أن يكون جوهرها أن هذا المتصوف العربي الإسلامي الكبير الذي "وسع قلبه كل الأديان"، ومنها اليهودية، هو النموذج الذي ينبغي أن يحتذي به المفكرون المسلمون). ولكل من يشكك في أهداف الاهتمام بالتصوف في المشرق والمغرب الحق في أن يفكر ويحلل كما يشاء، لكن التصوف الإسلامي كذلك ثروة فكرية ضخمة وجزء من التراث البشري الذي يستحق الاهتمام في كل زمان ومكان. ومن التعجل اتهام الإسرائيليين أو الغربيين أو العرب المهتمين بدراسة التوجهات الإنسانية والمسالمة في التصوف، بأن مساعيهم، كما يتهم الباحث، مجرد "السعي إلى إبراز هذا النمط الإسلامي... ليكون بديلا عن غيره من الأنماط الإسلامية، التحريضية، المسيسة، الجهادية، إلخ". بل لعلنا نستطيع اليوم أن نفكر بوضوح أكبر في النتائج الكارثية لتركيزنا على "الأنماط الإسلامية، التحريضية، المسيسة، الجهادية"، التي دافع عنها الأستاذ الباحث. فقد رأينا كيف تجرد هذا النمط من التوجه الإنساني والسلمي والأخوي والتعددي، الذي بشر به التراث الصوفي، وكانت النتيجة تنظيمات التكفير والإرهاب والفتن الطائفية! والواقع أن الأستاذ عبدالكريم سرعان ما يجد نفسه في تناقض واضح! فنفس المراكز البحثية التي يتهمها بالتواطؤ لمجرد اهتمامها بالتصوف وابن عربي، يقول إنها تركز على ابن رشد، رمز العقلانية في التراث الفلسفي العربي! يقول: "انهماك المستشرقين الإسرائيليين في نشر وتحقيق ودراسة التراث العربي الإسلامي الصوفي، لم يمنع هؤلاء المستشرقين من إيلاء اهتمام كبير للنتاجات التراثية الأخرى التي تنتصر للعقل وتعتمد فلسفته في تكوين الصور والمواقف، في نطاقي الفرد والمجتمع الإنساني". ونقف هنا، يضيف الأستاذ الباحث، عند مُعطى يفيد، "بأن الدوائر البحثية الإسرائيلية تعنى بدراسة المفكر العربي الإسلامي الأندلسي الشهير ابن رشد (1126 - 1198م) الذي يوصف بأنه "فيلسوف العقل" لدى العرب، والذي أنتج عشرات الكتب في الفلسفة والمنطق والفلك والنفس والأخلاق والسياسة والفقه والأصول والكلام... إلخ". وينقل عن المفكر المغربي د. محمد عابد الجابري قوله إن "أكبر معهد لإحياء تراث ابن رشد هو في إسرائيل". ونعود إلى جهاد فاضل حيث نشر مقابلة مع د. الجابري في القبس 30-3-1989 بعنوان "اليهود يسرقون عباءة ابن رشد". وكان الأستاذ فاضل، كما ذكرنا قد هاجم الباحثين الإسرائيليين، وقال إن "اليهود يفخخون ابن عربي"، واستهجن مجرد الاهتمام بشخصية صوفية وفكرية مثل ابن عربي. وينقل الباحث الفلسفي إبراهيم عن المقابلة خلاصة رأي د. الجابري في الاهتمام بابن رشد. إلا أن المفكر الجابري، يقوم بتفسير هذا الاهتمام ضمن إطار نظرية المؤامرة الثقافية فيقول: "إذا كسبت إسرائيل شخصية كابن رشد، وكانت مركزاً لإحياء تراثه، فهذا يكون عالمياً أمراً مفيداً لها. ثم إن ابن رشد أَثّر في الفكر الأوروبي، منذ ترجمة أعماله إلى اللغة اللاتينية في القرن الثالث عشر، حيث أن الرشدية اللاتينية معروفة، وهي أساس النهضة الفكرية في أوروبا. وإذا أحيت إسرائيل ابن رشد، وابن رشد اللاتيني، فمعنى هذا أنها وضعت يدها على الفكر الأوروبي، على مرجعية هذا الفكر". فهل منهج كهذا في التحليل والتقييم ينتمي إلى الصواب؟ ولا يسلم حتى فيلسوف يهودي آخر، يدين بالكثير مثل اسبينوزا لابن رشد، من حملة التشكيك. فيقول الباحث، شارحاً سر اهتمام الإسرائيليين بالمفكر اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون، الذي تأثر بابن رشد وأعاد إنتاج بعض أفكاره وآرائه. ويقول إن الباحثين والمستشرقين الصهاينة يفضلون الحديث عنه بمصطلحات التفاعل والانسجام والاشتراك في مصادر الثقافة مع ابن رشد، تزييفاً للحقائق وتحريفاً للواقع وتضليلا للعقول، ويضيف: "بصورة عامة، إن الدراسة الإسرائيلية للتراث العربي والإسلامي، هي دراسة لأمور عيانية ماثلة، بيد أنه في المقابل غالباً ما يضاف إليها اسقاطات ذهنية وتفسيرات خاطئة، تخدم المشروع الصهيوني وتعينه على تسريب المقولات التي يعتمدها". ويقول الباحث في تقييم عام للبحوث الإسرائيلية، "إن قسماً كبيراً منها كان يصدر عن مفاهيم ورؤى متقاربة تتخللها أحكام مسبقة، وتشيع فيها الصور النمطية والقولبة، ومعروف أن الأحكام المسبقة هي أحكام متسرعة تصدر قبل أوانها". وتقول المراجع عن موسى بن ميمون (1135 - 1204) بأنه يهودي إسباني - أندلسي، يعد من أبرز المفكرين اليهود في العصر الوسيط ممن حاولوا العثور على مزيج من الفلسفة اليونانية وبخاصة أرسطو، ومن الدين اليهودي الموحد، وقد أثر تفكيره على من تمرد على العرف الديني "كاسبينوزا" ومن ظل متمسكاً به "كتوما الأكويني. وهذا ما يحاول في أشهر كتبه "دلالة الحائرين"، حيث يحاول التوفيق بين علوم اليونان وفكر أرسطو ونصوص التوراة. "ويعتمد في هذه المحاولة اعتماداً كبيراً على الفلاسفة العرب من أمثال ابن رشد.