يرتاح بعض العرب عندما يكتبون عن أهل الخليج كلاماً فيه من الناحية النفسية تبرير لفشل حكوماتهم في مشاريع التنمية الذاتية. وكثيراً ما نقرأ في بعض الصحف العربية كلاماً فيه تمجيد لعلماء من هذا القطر العربي أو ذاك، وعند الحديث عن أهل الخليج العربي تلخص حالاتهم أنهم يحاولون شراء كل شيء وهم في غاية الرخاء والاسترخاء، فكل مشاريع التنمية في الخليج كما يقول بعض الكتاب وراءها عقول عربية من ذلك البلد الذي تُكتب منه مثل هذه المقالات، وكأن الكون من وجهة نظر البعض وقف مكانه، ولم ينجب علماء إلا من عندهم. لست هنا بصدد الدفاع عن أهل الخليج الذين لا ينكرون فضل أخوانهم العرب عليهم، وبالذات في بداية نشأة الدول الخليجية، فقد كان من العرب من ضحى وأتى للخليج دون منة منهم، ولكن رغبة في المشاركة في حركة التنمية التي تشهدها منطقة الخليج العربي، فكان منهم المعلم الذي تخرج على يديه أجيال من التلاميذ الذين تولوا قيادة دولهم بعد ذلك. وكان منهم من صاغ القوانين والدساتير العربية، وكان منهم من هندس لنا بيوتنا وشوارعنا، ولن أستطيع سرد فضل العربي على دول الخليج العربي خلال فترة من التاريخ، ولسنا نحن من ننكر جميل قام به المخلصون من العرب، ولكن مثل هذه المقالات أثارت في نفسي تساؤلات من أهمها : هل الثراء يعني الذكاء؟ بلغة أخرى وصياغة ثانية للتساؤل: هل بإمكان الدول الخليجية الغنية أن تشتري بمالها الذكاء أو تصنعه محلياً؟ الإجابة عن السؤال تحتمل ثلاث إجابات هي: نعم وربما ولا . نبدأ بالنفي، فبعض الأثرياء حتى على صعيد الأفراد وليس الدول لا يعمل كثيراً لتطوير قدراته العقلية معتمداً على ماله، ففي اعتقاده أنه لو أحاط نفسه بثلة من الخبراء أو العقول المستوردة كما أسميها، فإن كل أزماته العقلية والفكرية سيتم التعامل معها وفق منهجية علمية، وربما يبادر البعض بالالتحاق ببعض الجامعات التي تقدم شهادات ولا تعطي علماً كي يُجمل البعض حاله بلقب علمي، والتي من أفضلها أن يقال عنه دكتور كما نقول في لهجة أهل الخليج.للأسف هذا حال الذكاء عند بعض الأثرياء في منطقتنا، وكما تعامل هو مع الموضوع، يتبنى أبناؤه نفس المسيرة ويرفعون نفس الشعار، وهو بإمكان مالي أن يحسن حالي، ويجمل عقلي، كما هو حال سيارتي، فلا دراسة ولا جهد، لكن مال يأتي دون كد، وهؤلاء لن يجنوا في حياتهم إلا الخبال، لأنهم اعتقدوا أن الذكاء يُشترى بالمال. ربما تكون هذه حال البعض بشكل جزئي وليس كلي كما ذكرنا في المشهد الأول، وهؤلاء هم الذين يستعينون بالغير ويأجرون عقول الخبراء، لكنهم يجتهدون مع أنفسهم كي يتعلموا. ومن فاته القطار منهم، فإنه لا يكرر التجربة مع أبنائه فهو يختار لهم أفضل المدارس ويبعثهم إلى أحسن الجامعات في العالم، كي يطوروا من قدراتهم الذهنية، وهنا سنجد جيلاً جديداً من الناس يختلف عن من سبق. أما المشهد الثالث من القصة، فهو ما نلمسه في بعض الدول من جهد مشكور وحرص واضح للتعلم والعلم ولتطوير الكفاءات المواطنة بحيث تأخذ مكانها من الإعراب في حركة التنمية المستدامة في أوطانها، ومن ضحك أخيراً ضحك كثيراً كما يقال، ولأن تجربة بناء العقول لا تمضي بنفس السرعة، التي تبنى بها القصور، وتعمر بها أفضل الدور، فإن الزمن له حكمه، وهو من نثق فيه كي يقول لنا، هل نجحت دول الخليج العربي فعلاً في استثمار أموال النفط في تنمية الإنسان الخليجي كما ينبغي، أم أنها من أصحاب المشهد الثاني وربما الأول الذي نتمنى ألا نكون من أهله؟