أدرك مدى الفرق الشاسع في الرؤية وفي التقييم بيني كمواطن سوري، وبين محلل سياسي ذائع الصيت مثل الدكتور وحيد عبد المجيد، عند ما يتعلق الأمر بتهديدات أميركية ضد بلد عربي أحرى إن كان سوريا بالذات· وربما أكثر من ذلك أعني بعض الاعتبارات التي يتعلل بها بعض الكتاب العرب أحيانا؛ من نوع أن مثل هذه المقالات التي ينشرونها في الصحف العربية هي ليست موجهة إلى الغرب وإنما بالأساس إلى جمهور عربي يجري شحنه سياسيا على مدار الساعة، ومن ثم فهو يحتاج أكثر ما يحتاج إلى مزيد من جرعات العقلانية والواقعية حتى لا يصاب لاحقا بصعقة الحقيقة حين يفيق فجأة من سكرته العاطفية· لكن لا شيء في ذلك يمنع من التعليق على مقال الدكتور وحيد عبد المجيد المنشور على وجهات نظر يوم الخميس الأخير، بعنوان الدرس العراقي لسوريا وإيران · وفي المقال يرى الدكتور وحيد أن السبب الوحيد الذي أدى إلى فشل النظام العراقي السابق في إدارة أزمته مع الولايات المتحدة هو الافتقار إلى العقلانية، وكونه أخذ يتشدق بسيادة العراق !
صحيح أن الولايات المتحدة تريد أن تشطب هذا المفهوم من قاموس العلاقات الدولية، فلماذا إذن يعتبر وحيد أن أي حديث عن السيادة الوطنية هو تشدق · لكن ذلك بالضبط هو الدرس العراقي الذي يوجه الدكتور وحيد نصيحة إلى سوريا باستيعابه جيدا، من خلال المرونة الكاملة ويقصد بها المزيد من التنازلات، خاصة فيما يتعلق بمواقفها من الحقوق الفلسطينية·
الحقيقة أن في الدرس العراقي أبعاداً أخرى، أولها أن الولايات المتحدة التي أصرت على غزو العراق إن سلما أو حربا، هي دولة صناعتها الأولى الكذب والتضليل والغش والتدليس، وأكثر زبائنها في العالم هم نحن العرب ·
أما الدرس الآخر فلعله درس التضامن العربي المفتقد، إذ أصبح الآن مؤكدا أن لحظة سقوط بغداد هي بمثابة الحلقة الأولى في مسلسل تساقط العواصم العربية واحدة بعد الأخرى، وهو ما أشار إليه صراحة خطاب الرئيس الأميركي جورج بوش أمام الأمم المتحدة، وكشف عن جانب منه المرشح الديمقراطي الجنرال المتقاعد ويسلي كلارك الذي قال إن الولايات المتحدة أعدت مخططا لغزو ستة بلدان عربية عدا عن العراق· إن الدرس العراقي الآخر هو درس النظر إلى عواقب الاستبداد السياسي، وأهمية الديمقراطية لتحصين الجبهة الداخلية·
لكن ما ينبغي أن يكون درسا عراقيا لنا جميعا كبلدان عربية، هو ما قاله الثور الأسود: أكلت يوم أكل الثور الأبيض ؟! طوال التاريخ كانت بغداد خط الدفاع الأمامي الأقوى، وسقوطها سقوط لباقي المدن والممالك العربية جميعها، لكن أين المثقف الذي يجعل من دروس التاريخ برنامج عمل وطني وقومي، فاعل وخلاق؟
عماد حمزة ــ سوريا