النفط هو لعنة العالم المعاصر، وهو أيضاً كما وصفه مرة وزير النفط الفنزويلي الأسبق وأحد مؤسسي "أوبك"، خوان بابلو بيريز ألفونسو، "مصيبة من مصائب الشيطان". والأمر في الحقيقية لا يتطلب جهداً خارقاً لمعرفة سبب اقتران هذه الصفات السلبية والمخيفة بسلعة كثيراً ما تنعت بـ"الاستراتيجية"؛ فقد أدى الاعتماد المتزايد والمفرط للاقتصاد العالمي على النفط، وهو من الوقود الأحفوري الملوث للبيئة، إلى إطلاق شبح الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية، هذا فضلا عن استغلال بعض الأنظمة للثروة النفطية لتكريس حكمها الشمولي، كما حول الولايات المتحدة والصين إلى أكبر مدمنين على الطاقة في العالم. هذه هي الفكرة العامة التي يتضمنها الكتاب الذي نعرضه هنا، وعنوانه "عالم خشن: الأفول العنيف للنفط"، لمؤلفه الصحفي الأميركي "بيتر ماس"، والذي يفرد صفحات الكتاب لانتقاد سياسات النفط الدولية وما تمخض عنها من تداعيات ألحقت الضرر بالبلدان والشعوب. فرغم التحولات التي أدخلها النفط على أنماط الحياة وكونه خلق نوعاً من الرفاهية والازدهار، ظل مع ذلك مصدراً لاضطرابات في بعض البلدان، كما يتضح بوجه خاص في إفريقيا والعراق. وفيما عدا بعض الدول القليلة التي زارها الكاتب، وحددها في النرويج ودولة الإمارات العربية المتحدة اللتين استفادتا من العائدات النفطية لصالح تطوير مجتمعيهما، فإن باقي البلدان ترزح تحت مجموعة من المشاكل التي لعب النفط دوراً كبيراً في تأجيجها. ورغم الإنجازات الإنسانية التي تحققت بفضل النفط، والنقلة النوعية التي أسهم في تكريسها، مثل الاستخدام الواسع للكهرباء وتعزيز شبكة المواصلات، وتأمين الطاقة للقطاع الصناعي... فإنه حسب الكاتب كان وراء العديد من المشكلات العالمية، لاسيما في ظل العجز الذي يظهره العالم أمام تجاوز اقتصاد النفط وتطوير بدائل قادرة على التخفيف من أضراره. ولعل ما يدفع الكاتب إلى هذا الموقف المناهض للنفط وسياساته، ندرته الآخذة في الاتساع، ثم الأرقام القياسية التي وصلتها أسعاره في السنة الماضية إذ قاربت 150 دولاراً للبرميل، والدراسات التي تشير إلى تراجع الاحتياطات العالمية منه وصعوبة استخراجه وتكلفته العالية. لكن اهتمام الكاتب بالإحصاءات هو أقل منه بكشف القسوة التي ترافق البحث عن مصادر جديدة للنفط والتنافس الدولي الشرس لتأمين الاحتياجات المتزايدة منه، ما يعيد التذكير بدرس قديم مفاده أن ثروة البلدان الحقيقية ومستقبلها لا تكمن في جوف الأرض بقدر ما تتجلى في عبقرية سكانها والجهد الذي يبذلونه للنهوض بأوضاعهم، وهو درس تعلمه الإسبان قبل قرون مضت عندما اكتشفوا الذهب بكميات وفيرة في مستعمراتهم بأميركا اللاتينية، وكان وقتها يعادل في أهميته النفط اليوم، حيث انشغل حكام إسبانيا بمراكمة سبائك الذهب وأوهام الإمبراطورية على حساب ترسيخ دعائم رخاء دائم، فكانت النتيجة أن تراجع نفوذ إسبانيا في أوروبا وتخلفت عن باقي الدول التي صعدت بسرعة واستفادت من عصر الاختراعات والاكتشافات الجغرافية الذي كان قد بدأ لتوه في أوروبا. وينتقل الكاتب للتدليل على أطروحته، إلى بعض الدول التي تشكل في نظره نماذج حية على الفشل السياسي والاقتصادي بسبب النفط الذي يفترض أن يساهم في حل المشاكل. وفي هذا السياق يشير إلى غينيا، البلد الإفريقي الذي نهبه قائده "تيودورو أوبيانج" بتهريب أمواله النفطية إلى مصرف "ريجز بانك" بواشنطن، إلى درجة أن البنك، يقول المؤلف، أرسل موظفيه إلى السفارة الأميركية في غينيا للمساعدة على تحويل الأموال إلى مقره في واشنطن، فيما تعاني شرائح المجتمع من الفقر والحرمان، الأمر لا يختلف كثيراً في أميركا اللاتينية حيث يذكر الكاتب كيف دمر أنبوب نقل النفط غابات الأمازون وقضى على موطن الحيوانات النادرة. وخلال زيارته للأنبوب في الإكوادور، رصد خربشة على سطحه حرص على تسجيلها تقول: "مزيد من النفط= مزيد من الفقر". بيد أن النفط في نظر الكاتب لم يقتصر تأثيره على تدمير البيئة في غابات الأمازون، أو الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، بل امتد تأثيره إلى التسبب في اندلاع الحروب والعنف الداخلي، فقد دخلت نيجيريا موجة من العنف المستمر والاقتتال الداخلي بين الحكومة والمتمردين للسيطرة على موارد النفط واحتكاره، بالإضافة إلى ما حصل للعراق بسبب النفط. فرغم تأكيد إدارة بوش التي قادت الغزو أنه لا علاقة لذلك الغزو بالنفط، يرى الكاتب أنه كان السبب الرئيسي وراء الحرب التي أطاحت بالنظام، متسائلا: لماذا حرصت القوات الأميركية عقب دخول بغداد على تخصيص وزارة النفط العراقية بالحراسة المشددة، فيما كانت عصابات النهب تعيث سرقة في باقي المرافق؟ ولإخفاء الحقيقة، يقول الكاتب، تلجأ الأنظمة إلى "معالجة مهذبة تخفف من لغتها المباشرة وأهدافها الحقيقية، تماما كما يحصل مع النفط الخام الذي يعالج ويكرر حتى يصبح قابلا للاستخدام في السيارات"، إذ بموازاة عملية الخداع التي يمارسها السياسيون على العالم لإقناعه بصدق نواياهم، يُعالج النفط أيضاً ليتحول من مادة سوداء إلى وقود يبدو في ظاهره نظيفاً، لكنه يحافظ على تلوثه، بل الأكثر من ذلك يبقي على روحه "الشريرة" كما يصفها الكاتب. زهير الكساب الكتاب: عالم خشن: الأفول العنيف للنفط المؤلف: بيتر ماس الناشر: ألفريد نوف تاريخ النشر: 2009