بينما يحتدم الصراع الدولي الدائر بشأن التطلعات والبرامج النووية لكل من كوريا الشمالية وإيران، ها هو الجدل الوطني حول الاختبارات النووية الهندية قد تجدد الآن. فهنا تشتد مطالب فئة صغيرة من العلماء بإجراء نيودلهي المزيد من الاختبارات النووية، مصحوبة بالتشكيك في جودة الاختبارات التي سبق إجراؤها عام 1998. من بين هؤلاء، زعم \"كي. سانثانام\" -رئيس منظمة الأبحاث والتطوير الدفاعي سابقاً، وأحد أبرز العلماء الذين اضطلعوا باختبارات عام 1998 الهندية النووية- أن الاختبارات التي أجريت في ذلك الوقت لم تحقق النجاح الكلي المنشود لها، بل إن القنبلة الهيدروجينية نفسها -وهي الأقوى والأكثر فعالية بين الاختبارات الثلاثة التي أجرتها الهند في 11 مايو من عام 1998- لم تحقق النتائج المثالية المتوقعة لها. غير أن الحكومة الهندية وصفت هذه المزاعم بأنها ضرب من الهراء. وكذلك فعل عدد من العلماء والخبراء الحكوميين العاملين في المجال، بمن فيهم الرئيس الهندي السابق عبد الكلام، الذي أصبح يلقب برجل الصواريخ الهندية. وعلى رغم المحاولات التي يبذلها بعض العلماء في سبيل إشعال شرارة الحوار الوطني العام حول الاختبارات النووية، فإن احتمال إجراء الهند اختبارات جديدة في ظل الظروف الحالية يظل بعيداً جداً. ويسعى \"كي. سانثانام\" -كبير العلماء النوويين الهنود- في وقت تتوقع فيه نيودلهي أن تزداد الضغوط الدولية الممارسة عليها لحملها على التوقيع على معاهدة حظر الاختبارات النووية الشامل، ومن أجل توقيعها على معاهدة حظر الانتشار النووي. وهناك تحركات غربية بقيادة الولايات المتحدة الأميركية تهدف إلى تشديد شروط هاتين المعاهدتين على أمل وضع حد للانتشار النووي، منعاً لإيران وكوريا الشمالية من تطوير أي برامج نووية تتعدى حدود البرامج السلمية القاصرة على الأغراض المدنية. وعلى رغم أن الهند ربما لا تكون هدفاً مباشراً لهذه الحملة الغربية، فإن المتوقع أن تتصاعد الضغوط على كافة الدول التي لم توقع بعد على معاهدتي حظر الاختبارات النووية الشامل، وحظر الانتشار النووي، بغية التوقيع عليها. أما الحوار العام الدائر في الهند حالياً، فيرتبط بما إذا كان على نيودلهي التوقيع أو عدم التوقيع على معاهدة حظر الاختبارات النووية الشامل. غير أن محاولات إذكاء نار هذا الحوار محلياً، ارتبط كذلك بما تكشف من معلومات جديدة مؤخراً عن العالم النووي الباكستاني عبد القدير خان، الذي يتهم بكونه عنصراً رئيسياً في شبكة انتشار نووي ساعدت على إمداد كوريا الشمالية وإيران بما تحتاجانه من خبرات نووية. ويعتبر عبد القدير خان مصدر قلق رئيسي للهند، ليس لكونه العالم الذي ساعد عاصمة بلاده إسلام آباد على بناء برنامجها النووي الاستراتيجي الذي يستهدف الأمن الهندي في الأساس، وإنما لكونه ساعد إيران على التقدم نحو تطلعاتها النووية، بما تعنيه تلك التطلعات من تهديد حقيقي لجيران الهند الأقربين، سيما في منطقة الخليج العربي بأسرها. إسلام أباد ظلت تكرر دائماً إنكارها لأن تكون لها أدنى صلة بأنشطة وعمليات عبد القدير خان ذات الصلة بالانتشار النووي. إلا إن رسالة طفت إلى السطح مؤخراً خطها عبد القدير خان بيده، تؤكد أن إسلام آباد على علم بهذه الأنشطة. فقد وصفت رسالة شخصية أرسلها عبد القدير خان إلى زوجته في شهر ديسمبر من عام 2003 -وهي الرسالة التي أعلن عنها أحد المتحاورين في نهاية الأمر- التعاون النووي الباكستاني مع كل من الصين وإيران وكوريا الشمالية. ووصف عبد القدير خان في الرسالة نفسها كيف ساعدت بلاده الصين في تكنولوجيا تخصيب اليورانيوم، مقابل حصولها من بكين على الخطط الأساسية لتطوير قنبلتها النووية. وورد على حد تعبيره وصفه لما يلي: لقد أنشأنا جهازاً للطرد المركزي في هانزونج الواقعة على نحو 250 كيلو مترا جنوب غربي تشيان الصينية. وفي المقابل حصلنا من الصينيين على رسومات للقنبلة النووية، إضافة إلى 50 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب، و10 أطنان من مادة UF-6 الطبيعية، و5 أطنان أخرى من مادة UF-6 المعالجة بنسبة 3 في المئة. أما فيما يتصل بتعاون إسلام آباد مع طهران، فكتب \"خان\" قائلاً في رسالته: \"لقد طلب مني الجنرال امتياز، مستشار الدفاع لرئيسة الوزراء السابقة بنازير بوتو -وربما بعلمها ومباركتها- أن أمد الإيرانيين بمجموعة من الرسوم والمكونات النووية. وكذلك زودنا الإيرانيين بأسماء وعناوين موردي المواد والمكونات التي وصفناها لهم\". وتكتسب هذه المعلومات الواردة عن علاقة إسلام آباد بالبرامج النووية الجارية في الدولتين المذكورتين، في وقت تبذل فيه واشنطن جهوداً دبلوماسية متصلة تهدف إلى التفاوض السلمي مع طهران، واستئناف العمل الدبلوماسي مع بيونج يانج بشأن برامجهما النووية. وعلى رغم الانقسام الحاد الذي يسود العالم حتى الآن بشأن مواقف شتى الدول من سياسات الحد من الانتشار النووي، إلا أن الولايات المتحدة تواصل قيادتها للجهود الرامية إلى تخليص العالم كله من ترسانة الأسلحة النووية المدمرة. وضمن هذه الجهود وزعت واشنطن مسودة مشروع قرار داخل اجتماع مجلس الأمن الدولي، طالبت فيه الدول الموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي بالتعاون معها في تخليص العالم من خطر ترساناته النووية، إضافة على مطالبة الدول غير الموقعة على المعاهدة بتسريع انضمامها إلى قائمة الدول الموقعة. هذا ولم يشر مشروع القرار الأميركي إلى دول بعينها، إلا إن من البديهي أنه يستهدف كوريا الشمالية وإيران في الأساس. ولا يزال الخلاف قائماً بين عدد من الدول الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، خاصة بين الولايات المتحدة الأميركية والصين وروسيا، بشأن الكيفية التي يجب التعامل بها مع الأزمة النووية التي تسببها كل من طهران وبيونج يانج. ترقب الهند كل هذه التطورات من موقع المراقب المحايد حتى الآن، لكونها ليست طرفاً موقعاً في معاهدة حظر الاختبارات النووية الشامل، ولا في معاهدة حظر الانتشار النووي. ولكن مما لا ريب فيه أن تتأثر نيودلهي مباشرة بأي تحركات تستهدف توقيعها على المعاهدتين المذكورتين. ولعل هذا ما دعا مسؤولي نيودلهي لإجراء محادثات هاتفية مع المسؤولين في كل من موسكو وباريس ولندن، في أعقاب توزيع مشروع القرار الأميركي في مجلس الأمن الدولي مباشرة، بهدف الحصول من عواصم الدول الثلاث هذه على تأكيدات تضمن للهند عدم تأثر صفقاتها النووية بأي تحركات من نوع التحرك الأميركي الأخير.