كتب إليَّ أحدهم: لماذا تكتبها "الكُرد أو الكورد" وليس "الأكراد"، فلماذا الشذوذ عن السائد! قلت: ليس كل سائد صحيح، فتسمية الأكراد تبدو قرينة بالأعراب، والآية واضحة "الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا" (الأنفال 97). وبناءً على ذلك جاء في الرسائل الفقهية لمراجعَ فقه كبار من وزن اليزدي (ت 1919)، والحكيم (ت 1970): "يكره تزويج سيئ الخلق والمخنث والزنج والأكراد والخزر والأعرابي..." (العروة الوثقى ومستمسك العروة). وما قرأته لياقوت الحَموي (ت 626 هـ)، وهو يتحدث عن بلاد الكُرد شَهْرزُور، قال: "في ملح الأخبار التي تُكسع بالاستغفار: أن بعض المتطرفين قرأ قواله تعالى: الأكراد أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا! فقيل له: إن الآية الأعراب أَشَدُّ كُفْراً! فقال: هنالك من البلايا المخبَّآت في الزوايا" (معجم البلدان). بينما لم يقس على هذا القياس إبراهيم الحيدري (ت 1882) وهو ينسب عشائر الكُرد من أهل العراق: الزيبارية، والسورجية، والمزورية، والخوشتار، عندما قال: "على هذا يكون الأكراد من أشراف العرب" (عنوان المجد)، فجمع الأكراد مع العرب لا مع الأعراب، وإن كان في القول مصادرة قومية، إلا أنها وردت من باب المدح لا القدح. لكل ما تقدم أخذت أكتب الكُرد لا الأكراد، فما بين المفردتين هو ما بين العرب والأعراب نفسه! والرسائل الفقهية المذكورة خير شاهد. تلك بمثابة مقدمة مطولة لقضية أطول، تخص العراق ومستقبله، وقادة الكُرد، بطبيعة الحال، مؤثر فيها، وبيدهم ما ينتظره الوطن من سلب وإيجاب. قبل أيام احتفل قادة الكُرد، وعلى وجه الخصوص في أربيل، بالذكرى الثامنة والأربعين لثورة أيلول (1961) ضد الحكومة العراقية زمن عبد الكريم قاسم (قتل 1963). كُرس ذلك الحدث على أنه ثورة يحتفل في ذكراها كالاحتفال بعيد النوروز القومي، مع أن هذه الثورة عجلت بمجيء مَنْ عارضه قادة الكُرد أشد المعارضة إلى السلطة، ألا وهو حزب "البعث" (شباط 1963)، وحينها تحولت المعتقلات والسجون إلى برك من الدماء. كما أن القائد الكُردي مصطفى البارزاني (ت 1979) لم يكن مع هذه الثورة، فالحدث مازال حاضراً في الذاكرة، والرواة أحياء. فأكثر من شخص قال من معايشة: إن الثورة المذكورة لم تنطلق بدافع الحق القومي، إنما غُلفت به، والأصل أن شرارتها بدأت من قبل أصحاب الأراضي ضد قانون الإصلاح الزراعي (1959)، وكان هناك تحالف مريب للقوى المعادية للجمهورية العراقية آنذاك كافة، وبتأييد منقطع النظير من قبل القوى القومية والدينية داخل العراق، وبدعم من مصر الناصرية، وللأسف تصوره، ومازال يتصوره، قادة الكُرد على أنه تضامن مع قضيتهم، بينما اتضح في ما بعد أن مصر وقفت ضدهم عندما شنت عليهم الحكومات القومية حروب إبادة. وقبلها وصل مصطفى البارزاني إلى شاطئ البصرة (1958)، بعد منفىً طويل قضاه بالاتحاد السوفييتي، ولما عاد اتخذ دار رئيس الوزراء المقتول نوري السعيد منزلا، وهو أمر له دلالته ومعناه. وورد اسم الكُرد في الدستور الجمهوري: "يقوم الكيان العراقي على أساس من التعاون بين المواطنين كافة باحترام حقوقهم، وصيانة حرياتهم، ويعتبر العرب والأكراد شركاء في هذا الوطن، ويقر هذا الدستور حقوقهم القومية ضمن الوحدة العراقية" (المادة الثالثة من دستور 1958). وفي احتفال تأبيني لأحد المغتالين (8 شباط 1959)، في صراعات تلك الأيام، ألقى الملا البارزاني، كلمة جاء فيها: "إنني أتمنى لكم الموفقية والنصر على الاستعمار، وأوصيكم بتنفيذ أوامر زعيمنا عبد الكريم قاسم، وصيانة الجمهورية، وإصلاح البلد، ورفاهية الشعب" (جريدة اتحاد الشعب 9 شباط 1959). وظل الملا مصطفى متمسكاً بهذا القول، ولا يريد المغامرة بالثورة على حكومة بدأت معترفة بالحق القومي للكُرد، إلا بعد إلحاح وترغيب مارسته قوى لا يهمها سوى الإطاحة بذلك النظام. والدليل على هذا عدم اعتراف القوى التي جاءت إلى الحكم بما اعترف به عبدالكريم قاسم للكُرد. وهنا أود نقل ما تفضل به رئيس الإقليم مسعود البارزاني، في ما كتبه ببصيرة ويقينية، وهو ينقد حدث أيلول، قال: "بمعرفتي البديهية بأن عقارب ساعة التاريخ لا تعود إلى الوراء، لا أريد أن أكتم عن القارئ أمنية كانت تساورني، وهي ضرب من خيال محض، إلا أنها في الحقيقة تعبر عن مشاعر وأحاسيس، لا أجدني أقوى على كتمانها. كنت في قرارة ضميري أتمنى أن لا (هكذا وردت) تنشب ثورة أيلول في عهد عبدالكريم قاسم. وإنها إذا قُدر لها أن تنشب فلتكن قبل عهده أو بعده. ولرَّبما عذرني القارئ عن خيالي هذا حين يدرك أنه نابع من الأحاسيس بالفضل العظيم الذي نُدين به لهذه الشخصية التاريخية، وأنا أقصد الشعب الكُردي عموماً، والعشيرة البارزانية بنوع خاص "(البارزاني والحركة التحررية الكُردية). لهذا، عندما سمعت خطاب رئيس الإقليم في الذكرى الثامنة والأربعين لأيلول وهو يثني على الحدث، ويجعله الانطلاقة الفاصلة في حياة الشعب الكردي، أُصبت بخذلان، والرجل الآن يتولى أعلى المسؤوليات، ليس بإقليم كردستان وإنما بالعراق ككل، فكلمته فاصلة قاطعة، هو ورفاقه في الحزبين الكُرديين، فلماذا يكون الخطاب، في ذكرى الثورة، من قرارة الضمير أيضاً! ومتى تصحح المفاهيم، وتصحح النكسات، وتلك الثورة كانت سبباً في التعجيل لرمي العراق ككل في أتون التعصب الحارق. انقضت تلك الأيام، بمرها وحلوها، لكن لا يجب أن يستمر الخطأ على أنه صواب، ويحتفل به عيداً شعبياً، مع أنه ساهم بقسط في ما أصاب العراق بكُرده وعربه من مأساة. وإذا كان الساسة الكُرد آنذاك تصرفوا بما انتقده الرئيس مسعود، ولعلَّه السياسي العراقي الوحيد الذي انتقد نفسه وحزبه بشجاعة وإخلاص، فإلى أين قادة الكُرد ذاهبون في سياسة اليوم، وها هم يجعلون المحاصصة حجر الزاوية في السياسة العراقية. قال البارزاني ناقداً سياسة الأمس مع قاسم: "تعامُلنا معه ومع نظامه لم يكن في معظم الأحيان يتسم بالحكمة، وبُعد النظر، بل كان مشوباً بالتسرع والطيش، وعدم التبصر بالأخطار التي كانت تُهدد حكم قاسم ونظامه. كنا نتصرف وكأننا دولة داخل دولة، في بعض الأحيان، يغدو ذلك مصدر قلق وتحسب وتخوف على الوحدة الوطنية المهددة" (المصدر نفسه). وهنا، أقول: لا أجد صاحب هذه المراجعة عاجزاً، أو متردداً في قراءة المشهد العراقي اليوم، والبلاد تتعرض لتهديد وتهديد، وها هم قادة الكُرد أصبحوا الدولة بعينها، وكان أملنا بوجودهم الفاعل ببغداد مقوماً لعراق جديد، حقيقةً لا مجازاً، وإذا كان من البداهة أن عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، على حدِّ تعبير مسعود، لتفادي خطأ انطلاق ثورة أيلول 1961، فإن الإصرار على المحاصصة، القومية والمذهبية، في إدارة العراق لا تبدو أقل خطأً، ولا أخف وطأة، إلا أن تجنب عواقبها الوخيمة مازال تحت السيطرة. هذا، وتبدو السياسة، من دون أخذ العبر، من خطأ أيلول إلى شرِّ المحاصصة، عينَّ ما قالته الكُرد من حكمة: "دَارَ ودَار ثمَّ عادَ وحَطَّ مِنْ حيثُ دَار" (كتاب جمهرة من الأمثال والحكم الكردية).