يعدّ النقل الجماعي من أهم وسائل النقل في مختلف دول العالم لما ينطوي عليه من خصائص ومميزات تجعل منه بديلا حضارياً، وتسعى الإمارات إلى تطوير نظام النقل العام، لإقناع الجمهور بالاستغناء عن استخدام المركبات الخاصة التي تعدّ السبب الرئيسي في ظاهرة الاختناق المروري في كثير من مناطق الدولة، خاصة بعد أن حقّقت تجربة تسيير الحافلات العامة في أبوظبي العام الماضي، والمترو في دبي مؤخراً، نجاحات كبيرة، وهذا يتّضح من حجم الإقبال الجماهيري اللافت للنظر عليهما، فالإحصاءات المتوافرة تشير إلى أن عدد ركاب الحافلات العامة وصل إلى أكثر من 85 ألف راكب في اليوم الواحد على مستوى جزيرة أبوظبي، كما بلغ متوسط مبيعات بطاقات نظام "أجرة" نحو 12 ألف بطاقة شهرياً، وبالنسبة إلى "مترو دبي"، فإن هناك إقبالا جماهيرياً كبيراً عليه منذ انطلاقه قبل أيام، وهذا يؤكّد أن الجمهور أصبح يتفاعل جدّياً مع وسائل النقل العام الجماعي. الدولة وقيادتها الرشيدة أصبحت تولي وسائل النقل العام الجماعي أهميّة بالغة، وهناك العديد من الاستراتيجيات والخطط المتعلّقة بهذا الشأن، منها مشروع إنشاء شركة للقطارات للربط بين مدن الدولة المختلفة، كما تحتوي خطة النقل البري الشاملة لإمارة أبوظبي 2030 على خيارات متعدّدة تضمّ، شبكة قطار المترو، والقطار الخفيف "الترام"، وسيارات الأجرة، وحافلات النقل العام، والمعديات والتاكسيات المائية، وتوفير نظام متكامل ومترابط لخدمات النقل، وإنشاء شبكة متكاملة من الطرق السريعة. أهميّة هذه الخطط لا تنبع من كونها تهدف إلى تطوير نظام نقل جماعي متميّز وحسب، وإنما أيضاً لأنها تراعي متطلّبات النمو الاقتصادي، والاحتياجات المستقبلية للزيادة السكانية والتوسّع العمراني المتوقع في الدولة. الواقع أن توجّه الدولة نحو الاهتمام بوسائل النقل الجماعي ينطوي على مردودات إيجابية عديدة، فهو من ناحية يسهم في حلّ مشكلة المواصلات والاختناق المروري، التي أصبحت ملمحاً تشترك فيه العديد من مدن الدولة المختلفة، إذ لا تخلو مدينة من ظاهرة الازدحام المروري أو حوادث الطرق، ولا شكّ في أن توجّه الجمهور إلى وسائل النقل العامة سيوفر الكثير من الجهد والمال والأمان للمواطنين والمقيمين على حدّ سواء، حيث تشير الإحصاءات إلى أن الدولة تخسر سنوياً نحو 10 مليارات درهم، تمثّل نحو 3.5 في المئة من إجمالي الناتج القومي، نتيجة لما يسبّبه الازدحام المروري -الناتج من استخدام السيارات الخاصة- من تأخّر في نقل البضائع، واستهلاك الوقود بشكل كبير. وإضافة إلى ما سبق، فإن استخدام الجمهور وسائل النقل الجماعي سيكون له مردود بيئي مهم، وسيؤدي إلى الحدّ من ظاهرة التلوث، وتقليل انبعاثات الغازات الناتجة من عوادم السيارات، وهذا بالطبع سيعزّز من مفهوم الاستدامة البيئية في قطاع المواصلات. ورغم النجاح اللافت للنظر الذي أثبتته تجربة النقل الجماعي في الدولة، سواء في الحافلات العامة في أبوظبي أو "مترو دبي"، فإن الاتجاه الغالب لدى شريحة ليست قليلة من أفراد المجتمع ما زال هو الاعتماد على استخدام السيارات الخاصة في التنقّل، وهذا يتطلّب العمل على تغيير النظرة لاستخدام وسائل النقل الجماعي من خلال إعداد خطط وحملات دعاية لتغيير القناعات والترويج للمواصلات العامة، والحدّ من التهافت على امتلاك السيارات الخاصة، وهذا لن يتحقّق بالدعاية فقط، بل من خلال التواصل مع الجمهور وتنويع خطوط النقل الجماعي وضمان تغطيتها لمناطق الدولة المختلفة، وفي جميع الأوقات، حتى يقتنع الجميع بأهمية وسائل النقل العامة، وجدواها الاقتصادية والبيئية والحضارية. وإذا كانت وسائل النقل العامة تعدّ أحد المظاهر الحضارية في الدول المتقدّمة، فإن الخطط التي أعلنتها الدولة لتعميم وسائل النقل الجماعي وتطويرها ستضع الإمارات في مصاف هذه الدول، خاصّة أن هذه الخطط تأخذ في الاعتبار أحدث المعايير العالمية في تطوير نظام النقل الجماعي. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية