دعونا نكون صرحاء ونعترف بأن الاحتفال بالذكرى الستين لإنشاء حلف الأطلسي في إبريل الماضي كان مملا للغاية. فالرئيس الأميركي لم يكن مهتماً بالمناسبة، ونظراؤه الأوروبيون المعتادون على هذا النوع من الاحتفالات، لم يكونوا أكثر تحمساً، كما أن المطالبة الأميركية لتلك الدول بإرسال مزيد من قواتها إلى أفغانستان لم تلقَ آذاناً صاغية. دعونا نكون أكثر صراحة من ذلك، ونقول إن قرار أوباما بحضور الاحتفالات التي أقيمت بمناسبة الذكرى الخامسة والستين للإنزال النازي على الشواطئ الفرنسية في شهر يونيو، قد بدا محيراً. لماذا خمسة وستون تحديداً؟ ولماذا حضر رغم أنه كان غير متوقع حضوره؟ لا شك أن حضوره كان أمراً جيداً بالنسبة لقدامى المحاربين الذين كُرموا في ذلك اليوم، والذين أثنى أوباما على شجاعتهم، لكن وقع حضوره كان محدوداً من الناحية السياسية، كما أن طلبه لدول أوروبا بإرسال مزيد من قواتها لم يكن قد لُبي بعد. بل لنكن أكثر صراحة من ذلك أيضاً، ونقول إن إدارة أوباما تبدو وكأنها تحذو حذو إدارة بوش فيما يتعلق بعلاقاتها مع أوروبا. فعلى مدى العقد الأخير تقريباً، كانت الإدارة الأميركية تنظر إلى الاحتفالات والاجتماعات التي تحضرها في القارة العجوز على أنها مجرد مناسبات لالتقاط الصور التذكارية، ومكاناً مناسباً للحديث عن أحداث الماضي المؤثرة، لكن لا الجمهوريين من قبل ولا الديمقراطيين الآن، ينظرون إلى أوروبا على أنها قارة تستحق سفراء محنكين، أو حتى دبلوماسية جادة. أما وسط أوروبا فلا تستحق أي دبلوماسية على الإطلاق في نظر أميركا. علينا فقط أن ننظر إلى الطريقة التي تم بها إيقاظ رئيس وزراء جمهورية التشيك في منتصف الليل لإخباره بقرار غير عاجل ظلت واشنطن تفكر فيه لشهور، مؤداه أنها قررت إلغاء برنامج الدرع الصاروخية، وهو نفس ما حاولت عمله مع رئيس الوزراء البولندي، لكن الرجل رفض الرد على المكالمة. هذا ليس بالشيء الجديد: فقرار إدارة بوش المتعلق بتنفيذ البرنامج في الأصل تم اتخاذه بدون تشاور مع الدولتين، واكتفى البنتاجون بإرسال خطاب رسمي حدد فيه الاستجابة المقترحة من كل منهما مسبقاً! الحقيقة أن الدرع الصاروخية لم تكن مقبولة آنذاك، وليست مقبولة الآن في مختلف أنحاء أوروبا. وسبب موافقة التشيك والبولنديين عليها -وعلى مضض- يرجع إلى أنهم كانوا راغبين في حضور عسكري أميركي على أراضيهما، إذ رفض رئيسان أميركيان متتاليان الاستثمار في تواجد "الناتو" في دول وسط أوروبا، كما لم تكن لديهما أي رغبة لعمل شيء في أووربا بينما كانت رسيا تستثمر أموالا هائلة في المجال العسكري. يشكل ذلك مفارقة لافتة، لأن أوباما الذي لا يزال حتى اللحظة أكثر الرؤساء الأميركيين شعبية في أوروبا في التاريخ المعاصر، قد أخفق في البناء على هذه الشعبية، وتوظيفها، وكانت الرسالة الوحيدة، التي اكتفى بتوجيهها لدول القارة هي: "ارسلوا مزيداً من القوات إلى أفغانستان"، دون أن يحدد طبيعة المهمة في أفغانستان التي من أجلها سترسل هذه الدول أبناءها إلى هناك. الأوروبيون من جانبهم ليسوا معفيين من اللوم. فقدوم إدارة أميركية جديدة كان يمثل فرصة جيدة أمامهم لتدشين مرحلة جديدة من التعامل، ولتقديم أفكار جديدة للبيت الأبيض بدلا من انتظاره كي يتحدث أولا. ورغم أن الأزمة الاقتصادية العالمية نالت منهم الكثير، وجعلتهم عاجزين عن الحديث بصوت واحد، فإنهم لا يزالون يتبنون موقفاً سلبياً بشأن دفاعاتهم كما كان الأمر من قبل. صحيح أن أكثر الرؤساء الأميركيين شعبية في التاريخ المعاصر ليس بمقدوره وحده إيقاظهم، وجعلهم ينتبهون إلى المخاطر المحتملة التي يمكن أن تحيق بهم من جانب روسيا التي تبتزهم في مجال الطاقة أو من جانب إيران النووية، أو من الإرهاب الدولي القابع في أفنيتهم الخلفية، لكنه كان يمكن أن يكون أكثر إقناعاً، لو حاول مجرد محاولة. آن أبلباوم كاتبة ومحللة سياسية أميركية ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"