في بعض الأحيان لا يعرف المرء هل يضحك أم يبكي. ففي الأسبوع الماضي أفادت النسخة الاليكترونية من مجلة "تايم" بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي قام بتغيير عناصر وضباط تطبيق القانون في أنحاء أميركا لكي ينطلقوا في بحث عن منفذي التفجيرات الانتحارية المحتملين. وتم إبلاغ قوات الشرطة بإبقاء أعينها مفتوحة لرصد الأشخاص الذين يرتدون معاطف ثقيلة في حر الصيف، والأشخاص الذين تبرز من ثيابهم أسلاك كهربائية، أو الأشخاص الذين تفوح منهم رائحة المواد الكيميائية. وأنا شخصياً سأقوم باستدعاء رجال الشرطة إذا رأيت أحداً يجر وراءه أسلاكاً كهربائية.
ومن سوء الحظ أن هذه التحذيرات الغريبة قد تأتي في مقدمة تحذيرات كثيرة؛ وسبب ذلك أننا، على رغم عدم العثور على أسلحة التدمير الشامل في العراق، وجدنا أن هناك عدداً كبيراً من أشخاص التدمير الشامل، وهو عدد يثير القلق. فلنفكر في جريمة القتل التي وقعت في بغداد بتفجير سيارة مفخخة يوم الاثنين وأودت بحياة عزالدين سليم، وهو السياسي الشيعي ورئيس مجلس الحكم الانتقالي. ووفقاً للتقارير الإخبارية، كان السيد سليم في موكب من خمس سيارات من نوع "نيسان باترول" كانت تنتظر دورها في طابور لدخول المنطقة الخضراء، وهي موقع المنشآت الأميركية الآمنة في قلب بغداد. وفجأة، خرجت من الطابور سيارة من نوع "فولكسفاغن باسات" وانطلقت مسرعة نحو سيارة السيد سليم وانفجرت بالقرب منها فأحرقت كل شيء في المكان.
إننا مصدومون إلى درجة أننا لا نعتبر ذلك أكثر من كونه يوماً آخر كغيره من الأيام، أو تفجيراً انتحارياً آخر في العراق. لكننا نحتاج إلى التفكير في الأمر. فتقديراتي التقريبية تقول إن هناك 50 إلى 70 هجوماً انتحارياً وقع في العراق السنة الماضية. ولذلك يكون أول سؤال أطرحه هو: من أين يأتي كل هؤلاء المفجرون الانتحاريون؟ وكيف يمكن تمييز هؤلاء الأشخاص؟
أنا شخصياً لا أصدّق ذلك، لكن في وسع المرء أن يتحجج على نحو قابل للتصديق بأن 37 سنة من الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية جعلت الفلسطينيين في حالة من الغضب الشديد إلى درجة جعلتهم مستعدين للتطوع لتنفيذ مهمات التفجير الانتحاري في السنوات القليلة الماضية. لكن "الاحتلال" الأميركي للعراق لم تمض عليه سوى سنة واحدة، وبدأت عمليات التفجير الانتحارية هناك في غضون أشهر قليلة بعد وصول القوات الأميركية لتحرير الشعب العراقي من طغيان صدّام حسين الفاسد. فماذا يعني ذلك؟ ذلك يعني أن هناك جماعة صغيرة قادرة على تجنيد عدد كبير من الأشخاص المستعدين لقتل أنفسهم في هجمات على أهداف أميركية أو عراقية وبحيث ينفذونها بعد تلقي الأوامر بفترة قصيرة- ونحن ليس لدينا أية معلومات تكشف لنا آلية هذه العملية.
فنحن لا نعرف هوية هؤلاء الأشخاص- على رغم أن التقارير توحي بأنهم يأتون من أوروبا وبلدان عربية مجاورة وغير مجاورة- كما لا نعرف آلية عمل طرق النقل السرية التي تحملهم من مواقعهم إلى العراق، كما لا نعلم أيضاً كيفية ارتباطهم واتصالهم مع الخلايا الناشطة في العراق، ولا كيفية الاتصال بهم وتلقينهم المبادئ لتنفيذ المهمات الانتحارية.
ويقول راياموند ستوك، الخبير في الأدب العربي والإعلام العربي ويتخذ من القاهرة مقراً له:"لا أعتقد أن أشخاص التدمير الشامل هم بالفعل نتاج الاستياء العراقي المحلي منّا". ويضيف ستوك قوله:"هؤلاء في المقام الأول قتلة مستوردون وكلهم متشابهون ولا يتميز أحدهم عن الآخر، وقد أنتجهم مزيج من وسائل الإعلام الجماهيرية العربية وعناصر متطرفة معينة ضمن الثقافة الإسلامية إضافة إلى عملية تجنيد شديدة الذكاء تقوم بها منظمة القاعدة وأشباهها. وعندما يتم تلقين شباب صغار، غاضبين ومعرضين للكبت والقمع ولا مستقبل لهم، أن الموت هو إجازة دائمة كلها متعة ولا ذنوب فيها، وعندما يرى هؤلاء الشباب تمجيد ذلك الموت في عدد لا حصر له من أشرطة الفيديو، فإنك عندئذ لا تحتاج إلاّ إلى سائق شاحنة صاحب إرادة واستعداد لنقل هؤلاء عبر الحدود من البلدان المجاورة، وهكذا يتحول الواحد منهم بسرعة إلى قنبلة بشرية".
ويبدو أن هؤلاء، مهما تكن هوياتهم، يكتسبون المزيد والمزيد من التطور والحنكة. والأسوأ من ذلك أن هؤلاء عدميون تماماً. فحركة "حماس" لديها على الأقل هدف سياسي هو تخليص فلسطين من كل اليهود وإقامة دولة إسلامية هناك. لا بل إن "حماس" تقدّم الخدمات الاجتماعية. أمّا الأشخاص الذين يديرون العمليات الانتحارية في العراق، فإنهم لا يطالبون حتى بنسبة الفضل إلى أنفسهم، ناهيك عن أية مطالب أخرى. وهؤلاء لا يريدون شيئاً سوى أن يضمنوا إخفاق أميركا في إنتاج أي شيء مقبول في العراق، وهم مستعدون للتضحية بكل العراقيين في سبيل بلوغ تلك الغاية.
إنهم عدميون بارعون إلى أقصى الحدود، وهم يتمتعون بالقدرة على تنفيذ عدد كبير من الهجمات الانتحارية في أماكن قريبة جداً من أماكن تواجدهم، وهو ما حدث في سنة واحدة فقط. ويشكل ذلك إشارة أخرى إلى أننا لم يكن لدينا على الإطلاق عدد كاف من القوات في العر