في السابع من الشهر الجاري وجدت صحيفة مصرية كبرى في نفسها الجرأة كي تعلن في المانشيت الرئيسي لها عن "توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية عقب عيد الفطر بالقاهرة"، ولا يدري المرء كيف يمكن أن تتولد هذه الجرأة على التنبؤ بمستقبل موقف شديد التعقيد كالانقسام الفلسطيني الراهن، حتى ولو كان مصدر هذا التنبؤ "مصدراً مسؤولا" وفق ما ذكر في تفاصيل الخبر الذي لن يكون صحيحاً للأسف، اللهم إلا إذا كان تعبير "عقب عيد الفطر" يسمح بالامتداد زمنياً لشهور وربما سنين. وقد يقول قائل: لماذا كل هذا التشاؤم في مناخ لا ينقصه الإحباط والغم؟ لكن الواقع أن المسألة لا علاقة لها بالتشاؤم أو التفاؤل، وإنما هي نابعة من بديهيات التحليل العلمي الذي يجب أن يعالج الظاهرة موضع التحليل من منظور شامل، يأخذ في اعتباره كافة العوامل المؤثرة عليها، وليس مجرد تصريح عابر لمسؤول لا نعرف كنهه تحديداً. وواقع الأمر أن ثمة عوامل واضحة تفضي إلى الدفع ببطلان التنبؤ السابق بلغة أهل القانون، وقد يكون أهم هذه العوامل اثنين: أولهما يتعلق بالخبرة الماضية لجهود المصالحة، والثاني ينبثق من تجذر الخلاف بين المشروعين السياسيين لـ "فتح" و "حماس". أما عن السوابق الماضية فقد تعددت الجهود، ووصل بعضها إلى ما شبه لنا أنه نجاح، كما في حالة اتفاق مكة 2007، واتفاق صنعاء 2008، وعديد من حلقات الجهود المصرية الدؤوبة من أجل تحقيق المصالحة، لكن الأمور كانت تعود دوماً إلى نقطة الصفر -أو حتى ما دونه بتفاقم أشد للخلافات- عند أول اختبار، لتستمر علامات الصدام وتداعياته، ولذلك أصبح من المؤسف أن التوصل إلى اتفاق بين الطرفين المتناحرين لا يعني في حد ذاته نجاح جهود المصالحة، وإنما بات يتعين علينا أن ننتظر لنرى كيف يحيا الاتفاق في الواقع السياسي، وفي كل مرة كانت النتيجة واحدة: أن المولود يلفظ أنفاسه بمجرد خروجه إلى النور. وأما عن تجذر الخلاف بين المشروعين السياسيين لـ "فتح" و "حماس" فإنه يتعين علينا أن نسلم بأنهما مؤسسان على منطلقين مختلفين. ومعنى هذا في تقديري أن "فتح" تتحرك الآن في إطار الوضع الراهن عربياً وإقليمياً في محاولة -لن تنجح بهذه الطريقة- للتوصل إلى تسوية، فيما تتخيل "حماس" أنها يمكن أن تكون نواة لحقيقة أكبر عربياً وإسلامياً بمقدورها تغيير هذا الوضع الراهن تحت لافتات إسلامية، وبالتالي فإن الأولوية للحفاظ على "المشروع الإسلامي" في غزة، باعتبار أن سيناريو نجاحه عربياً وإقليمياً يمكن أن يزود الحركة بمدد غير محدود يساعدها على إنجاز مهمة التحرير. وفي إطار هذا الخلاف وقع ما وقع من صدامات على الأرض بين رجال الحركتين، وسقط القتلى من الجانبين، وسالت دماء الجرحى أنهاراً، وبدا استخفاف كل منهما بشعارات الآخر ورموزه، وتبادل الاتهامات فيما بينهما بِشأن ممارسات تتنافى مع أبسط حقوق الإنسان، واشتد تمسك كل منهما بـ "ثوابته"، مع أن العقل يقول إن الإخلاص للقضية يقتضي التوصل إلى مصالحة بين المشروعين، لكن العقل شيء والمصلحة شيء آخر. ولكل ما سبق وجدت نفسي غير مبالٍ بالتدقيق في تفاصيل ورقة المصالحة المصرية التي قدمت مؤخراً للطرفين وباقي فصائل "النضال الفلسطيني". صحيح أنني قرأتها، وأنها مليئة بتفاصيل تحاول بإخلاص ظاهر ردم الفجوات بين "فتح" و "حماس"، لكن رأيي كان دائماً أنه كلما زادت التفاصيل في اتفاق ما كان معنى هذا أن العلاقة شائكة بدرجة أكبر بين طرفيه، ولو قارنّا مثلا بين قرارات قمة الخرطوم في أغسطس/سبتمبر 1967 عقب الهزيمة العربية أمام إسرائيل في شهر يونيو من ذلك العام، والتي -أي القرارات- لم تملأ بالكاد سوى صفحتين و"الكتب" التي تصدر الآن عن مقررات القمم العربية لوجدنا أن قرارات الصفحتين كانت أشد فاعلية بكثير من قرارات "الكتب" التي يتجاوز عدد صفحاتها عادة المئة صفحة. ومن ناحية أخرى فإن سبباً جوهرياً لعدم التدقيق في تفاصيل ورقة المصالحة المصرية أن من يقرؤها يدرك للوهلة الأولى أنها محاولة للتوفيق بين "حكومتين"، وليس بين فصيلي نضال في حركة تحريرية، فالورقة تتناول موضوعات الانتخابات والأمن واللجنة المشتركة والمعتقلين، وكلها موضوعات تتعلق بـ "السلطة" وليس بـ "التحرير"، وهذا هو الفخ الذي أشرت إليه مراراً، والذي وقعت حركة التحرر الفلسطيني للأسف في شراكه، وهو فخ إقامة سلطة "وطنية" في ظل الاحتلال، وبينما يتصارع الفريقان على هذه السلطة ومغانمها تحاصر إسرائيل "سلطة" حماس في غزة، وتنتهك حين تشاء "سلطة" فتح في الضفة، لكن أحداً لا يريد أن يتوقف لينظر في نفسه، ويرى أين مكمن الخطأ. وهكذا فإن القضايا الحقيقية مثل تقييم تجربة السلطة في ظل الاحتلال ومردوداتها على النضال من أجل تحرير فلسطين، أو إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية غائبة للأسف في خلافات الطرفين واهتماماتهما، ولعل هذا هو السبب في أن الدوائر المصرية المسؤولة عن ملف المصالحة لم تجد في نفسها حاجة لتضمين هذه القضايا في الورقة التي أعدتها كمشروع للمصالحة. ويؤكد كل ما سبق ذلك التواطؤ والتثاقل في إبداء الرأي في الورقة المصرية من جانب كل من "فتح" و "حماس"، ففتح تقبلها "جزئياً"، وحماس تؤجل ردها إلى ما بعد عيد الفطر، وتصريحات المسؤولين الفلسطينيين تتضارب، إما بسبب الفوضى السائدة حالياً في الموقف الفلسطيني، أو كنوع من أنواع التذاكي في توزيع الأدوار لتفادي الحرج مع السلطات المصرية التي يستحسن تفادي غضبها. هل يمكن التفكير في مخرج بديل إذن؟ أول الأفكار في هذا الصدد هو تبلور قوة فلسطينية ثالثة يأتي أنصارها من أولئك المكلومين من أداء كل من "فتح" و "حماس"، ويحتاج هذا اختراقاً في الانتخابات القادمة -إن أجريت- لا يمكن لكاتب السطور أن يتنبأ بفرص حدوثه، أو يتطلب مدة زمنية قد تطول لكي تتبلور في شكل قوة مدنية تستطيع أن تؤثر في مجريات الأحداث الفلسطينية التي يتحكم فيها فصيلان مدججان بالسلاح. وثاني الأفكار أن يتغير نهج البحث عن المصالحة، بوضع الطرفين أمام مسؤولياتهما التي يحاولان التملص منها، وتتمثل أساساً في إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، والاتفاق على استراتيجية موحدة للنضال الفلسطيني في المرحلة الراهنة في ظل المستجدات الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، وفي هذا الإطار الطموح يمكن التفكير في إمكان التوصل لموقف تفاوضي مشترك بين الطرفين حتى مع استمرار الانقسام الحالي، واتفاق على أدوات النضال الفلسطيني وآلياته في المرحلة القادمة. وبعبارة أخرى يتعامل هذا النهج مع الانقسام الفلسطيني باعتباره حقيقة واقعة ستعيش معنا بعض الوقت، وعلينا أن نعمل على تحييد آثارها السلبية على النضال الفلسطيني بالاتجاه رأساً إلى قضاياه الرئيسية: استراتيجية العمل من أجل استعادة حقوق الشعب الفلسطيني وآليات تنفيذ هذه الاستراتيجية بما يتضمن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، والاتفاق على قواسم مشتركة بشأن آليات النضال وأدواته على رغم الانقسام. ولن يقل هذا النهج صعوبة عما سبقه بطبيعة الحال، ولكن النهج الراهن أثبت إفلاسه عبر عديد من المحاولات، فلماذا الإصرار على الحرث في البحر؟ ولتتجه الجهود نفسها إلى النهج البديل، فإن أنجز شيئاً فبها ونعمت، وقد يكون ذلك مقدمة لمزيد من الإنجازات، وإن أخفق لن نخسر شيئاً، لأن النهج الحالي ثبت عقمه غير مرة، ولعلنا نكسب في هذه الحالة شرف المحاولة في الاتجاه الصحيح.