مع اقتراب موعد الإعلان عن خطة السلام الأميركية الجديدة التي يضع الرئيس أوباما ملامحها النهائية حالياً، قد يكون من الضروري أن نضع أمام الإدارة الأميركية أصل المشكلة السياسية والإنسانية التي خلقها بن جوريون مؤسس دولة إسرائيل عندما رتب لطرد الشعب الفلسطيني وتحويله إلى جماعة من اللاجئين. إن هدفنا هنا بصراحة هو إثارة إحساس المسؤولية التاريخية لدى الولايات المتحدة وبريطانيا، وهما الدولتان الأكبر في المعسكر الغربي واللتان وفرتا الدعم المالي والغطاء السياسي والمدد العسكري بالمتطوعين والسلاح لقوات الهاجاناه. لقد أشاع الإسرائيليون إلى وقت قريب وقبل الإفراج عن الوثائق الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتصلة بحرب 1948 صورتين زائفتين عما حدث في أرض الواقع في تلك الحرب. الصورة الأولى تزعم أن الشعب الفلسطيني قد هجر أرضه بمحض إرادته ليبتعد عن مناطق القتال، والثانية أن القوات الإسرائيلية لم ترغمه على ذلك، وأنها لم تقم بإعداد أي خطط هادفة للترحيل القسري للعرب عن مدنهم وقراهم. ولعل البحث الجامعي الذي قام به الباحث التاريخي الإسرائيلي "بني موريس" ونشرته مكتبة جامعة كامبردج تحت عنوان "طرد الفلسطينيين وخلق مشكلة اللاجئين" يمثل رداً حازماً على التصوير الزائف للحقيقة. لقد اعتمد الباحث على الوثائق الصادرة عن أميركا وبريطانيا وإسرائيل في الكشف عن حقيقة النية المسبقة لدى الحركة الصهيونية وأداتها التنفيذية في ذلك الوقت، وهي الوكالة اليهودية لإخلاء المناطق التي تقع تحت سيطرتها من الشعب الفلسطيني بالقوة الجبرية المسلحة. لقد كانت إسرائيل كما يقول "بني موريس" تحاول من خلال التصوير المزيف للحقيقة الحفاظ على صورتها كدولة نظيفة بصفتها ملجأ وملاذاً لشعب مطارد، وككيان سياسي عادل وأخلاقي لكسب تعاطف الغرب ومساعدته لها وإضعاف تعاطفه مع المجتمعات العربية باعتبارها مجتمعات عربية رجعية إقطاعية ودكتاتورية تحيط بإسرائيل. يشير تقرير بريطاني حول نتائج مؤتمر رؤساء الحكومات العربية انعقد في يناير 1948 في القاهرة، أن نظرة العرب للصهيونية، تفيد أن الهدف النهائي للحركة الصهيونية هو الاستيلاء على كل فلسطين، وعلى كل شرق الأردن، وعلى أجزاء معينة من جنوب لبنان، وجنوب سوريا أيضاً. يقول الباحث اليهودي المذكور، لقد كانت مخاوف العرب بمثابة النبوءات، التي تحقق نفسها، وهكذا حدث الواقع في عام 1948 حيث أرغم العرب على مغادرة يافا وحيفا، واحتل اليهود بيوتهم وسكنوها تماماً كما توقع الزعماء العرب. يبين "بني موريس" أن مخاوف العرب كان لها أساس صلب في طرق تفكير التيار الرئيسي في الحركة الصهيونية في أواخر الثلاثينيات والأربعينيات، وينقل عن مضبطه جلسة إدارة الوكالة اليهودية التي عقدت في يونيو 1938 الأقوال التالية التي أدلى بها بن جوريون حيث قال: إن نقطة الانطلاق لحل المسألة العربية في الدولة تكمن في التوقيع على اتفاقية مع الدول العربية تمهد الطريق لإخراج العرب من الدولة اليهودية إلى الدول العربية. أما بعد إقامة الدولة، فسنلغي التقسيم بين العرب واليهود، ونتوسع في كل "أرض إسرائيل" أي فلسطين. في تلك المرحلة قبل الحرب بعشر سنوات كان بن جوريون زعيم الحركة الصهيونية يمارس المكر العلني برفض الإعلان عن استخدام القوة العسكرية لطرد العرب، ولكنه راح يفصح شيئاً فشيئاً عن قبوله فكرة الترحيل القسري هو وزعماء الوكالة، فقد كتب يوسف فايتسي مديرة إدارة الاستيطان في الصندوق القومي الإسرائيلي يقول في يومياته بتاريخ 1940/12/20 "يجب أن يكون واضحاً لنا تماماً بأنه لا يوجد مكان للشعبين معاً في البلاد". لقد واصل بن جوريون سياسة المكر العلني في يوليو 1947 عندما مثل أمام لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، حيث رفض فقرة وردت في برنامج حزب "العمال" البريطاني تدعو إلى تشجيع هجرة العرب إلى الدول العربية المجاورة لفلسطين لإفساح المجال لليهود، غير أنه كان يعبر في الدوائر الصهيونية المغلقة عن نيته لطرد العرب كما حدث في خطاب أمام نشطاء حزب مابام في نوفمبر 1947. لقد طبق بن جوريون بدءاً من ذلك التاريخ مع صدور قرار التقسيم خطته التي عرفت بخطة مايو، والتي سميت كذلك لوضعها في مايو 1946 والتي تقضي بضرورة مهاجمة خطوط المواصلات والقرى العربية وتدميرها وطرد سكانها عن طريق الهاجاناه والتي تعززت بدءاً من مايو 1948، فهل يتغير موقف الغرب من حق العودة للاجئين؟