ربما يكون اليوم هو الأخير في شهر رمضان لهذا العام، أعاده الله علينا ونحن في أتم الصحة والعافية والأمن والأمان، ومع تمام النعمة يقف الإنسان وقفات مع أحد أهم الملاحظات على شهر رمضان، ألا وهو سر السعادة، فمن يتابع حال الناس في رمضان، يجد في وجوههم وقلوبهم لذة نادراً ما نحياها في غير رمضان، ونلحظ من أنفسنا سعادة لا نجد لها تفسيراً، ويقف الانسان في حيرة من نفسة ويتساءل إذا كان رمضان يحمل في طياته مظاهر السعادة، التي ذكرناها أو ليس غريباً أن يسعد الانسان بنهاية هذا الشهر، كلام قد يكون فيه بعض التناقض المقصود، لكن تفسيره يكمن في أحد أهم أسرار السعادة في الدنيا. في مدرسة رمضان تعلمنا أموراً كثيرة منها أن الشيطان هو العدو الأول لنا، وفي عصيانه تكون سعادة الانسان أوليس الشيطان هو من قال كما صرح القرآن "قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين "فهو قد هدد ونفذ وعده ونجح في حالات كثيرة في إغراء الإنسان أن راحته في مخالفة خالقه، جاء رمضان ليقول لنا إن السعادة كل السعادة في مخالفة الشيطان وطاعة الرحمن. في رمضان تعلمنا أن النفس أمارة بالسوء، كما ورد في القرآن الكريم ، وإن الانسان العاجز، هو من اتبع هواه، فاتباع الهوى مقدمة أساسية للضلال... كيف لا وقد صرح بذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: "أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم". في رمضان نحن نخالف متطلبات النفس الأساسية من طعام وشهوة، وعندما قمنا بذلك شعرنا بسعادة نتمنى أن نعيش في ظلالها الوافرة طوال العام. في رمضان عرفنا عن الدنيا طريقنا للآخرة والدنيا لم تخلق لنا كي نعمر فيها، وإنما هي لحظات اختبار كما ورد في القرآن الكريم "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين قالوا لبثنا يوماً أو بعض يوم فاسأل العادين"، فإذا كانت الدنيا لاتساوي عند الله جناح بعوضة، فلم نعطيها حجماً أكبر من قدرها، ولو تأمل أحدنا أحد أهم أسرار الصراعات التي تجري بين الانسان وأخيه الانسان لرأى أن الدنيا لها نصيب كبير في هذه الصراعات، وكأن الرسول عليه الصلاة والسلام حاضرا بيننا، وهو يقول في الحديث المتفق عليه: "فو الله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم ". ونحن في تصوري نعيش طرفا مهماً من هذا الحديث، الذي يمثل جانباً من أسباب الهموم التي نعانيها في حياتنا. ومن أخطر ما يجعل الإنسان بعيداً عن ربه قريباً من الدنيا الأمل، الذي وضعه أحدنا أمام عينيه، وهو يقول في ذاته عندما أكبر سأتوب وأصلح ما بيني وبين خالقي. وتأتي الدروس التي نعيشها يومياً في أناس كانوا معنا من أهل وأصدقاء بل وحتى أبناء. تأتي هذه الدروس كي تقول لنا جميعا الحذر كل الحذر من الوقوع في مصيدة الأمل. قال ربنا سبحانه وتعالى في تحذيره من ذلك "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا، ويلههم الأمل فسوف يعلمون". وقد علمنا جميعاً خطورة الأمل على حياة الانسان وكيف أنه أورده المهالك. كان ما سبق وصفاً سريعا لأجمل حياة يسعد بها الانسان، وقد عشناها جميعا في رمضان، وكأن الله تعالى يقول لنا لقد أريتكم مصادر السعادة في هذه الحياة الدنيا، وكنتم تعيشونها يومياً في هذا الشهر الكريم، فمن أراد منكم أن تكون حياته كذلك طوال عمره، فما عليه إلا الاستمرار في حربه مع الشيطان، ومخالفته لهوى النفس ومجاهدة الدنيا، وما فيها والبعد عن الأمل الكاذب الذي تورط فيه نفر من الناس، وعلى كل حال فإن الإنسان ينسى ويتعرض لما يعلم أنه منزلق للشقاء عندها يتذكر ما قاله أبونا أدم "ربنا ظلمنا أنفسنا وأن لم تغفر لنا وترحمنا " هذا هو آخر سر للسعادة وأجملها أنه سر التوبة ، وكل عام أنتم بخير.