تـُزهق أرواح المسلمين كل يوم في فلسطين والعراق والسودان والصومال وأفغانستان وباكستان وبورما والفلبين والشيشان والصين. وربما قتل المسلمون بأيديهم أكثر مما قتل الاستعمار أثناء حركات التحرر الوطني. الكل يكفّر الكل باسم الإسلام، وكل الفرق المتحاربة أسماؤها إسلامية، وكلها تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية وكأن الشريعة تقوم على القتل وليس على المحافظة على الحياة، أول مقاصد الشريعة. وقامت أخيراً حركة "بوكو حرام" في شمال نيجيريا، مثل عشرات حركات الرفض والعنف الأخرى، وآخرها "جند أنصار الله" في رفح بغزة، تدعو إلى تكفير التعليم الغربي والمدارس الغربية. وهو نموذج نيجيري أفريقي يتجاوز تطبيق الشريعة الإسلامية التي يفتخر المسلمون في شمالها بتطبيقها بعيداً عن الجنوب المسيحي. فتتهدد وحدة البلاد بمخاطر الانفصال والاقتتال بين أبناء الوطن الواحد باسم الدين كما يحدث في السودان وما قد يتكرر في مالي وتشاد وكل البلاد الأفريقية عبر الصحراء التي تربط بين شمال أفريقيا ووسطها، والتي حاول الاستعمار تغذيتها باسم الصحراء التي تفصل الشمال العربي الإسلامي عن الجنوب الأفريقي المسيحي. وتحت ضغط الظروف النفسية والاجتماعية والسياسية التي لا تتغير ينشأ تطرف على تطرف إلى ما لا نهاية. ويجد المتطرفون الجدد أن "الغلو هو الحل" لمشاكلهم. فقد جاء الإسلام غريباً وسيعود غريبا كما بدأ فطوبى للغرباء. وكل أحاديث الفتن آخر الزمان ما زالت تؤثر في قلوب الناس وتجعل الحل هو التمسك بالدين كالقابض بيده على الجمر. فجماعة "جند أنصار الله" تتطرف على تطرف "حماس". وقد تخرج جماعة أخرى تتطرف على تطرف "جند أنصار الله". وقد يحدث الشيء نفسه في نيجيريا، فتخرج جماعة تتطرف على تطرف "بوكو حرام" لأنها لم تحل القضية وانهزمت أمام الجيش وقتل "أميرها". فالتطرف لا نهاية له. إنما الطامة الكبرى هي التطرف على التطرف كما كانت تقول الجماعات الثورية الراديكالية في الستينيات "ثورة على الثورة". وطالما أن العزلة السياسية والجغرافية والتاريخية والثقافية قائمة تخرج بعض الجماعات لفك حصارها النفسي لتعيش في عالم موائم لها فتصطدم بأن هذا العالم عَصِي عليها فتذهب ضحيته، وتجد عزاءها في "الشهادة". إذا فقدت الدنيا فلها تعويضها في الآخرة. والأسباب في تحرك "بوكو حرام" ليست سياسية أو اجتماعية فقط بل هي أسباب تعليمية. فالتعليم في بعض المدارس الخاصة والحكومية تعليم "غربي"، والقيم التي يدعو إليها قيم غربية، والطلاب الذين يتعلمون في مدارسه من الطبقة الوسطى أو العليا الذين لا يذهبون إلى المدارس القرآنية التي تخلو من اللغات والعلوم الحديثة. والحكم بالظاهر سمة هذه الجماعات سواء ظاهر الإيمان في الشعائر والطقوس أو ظاهر التعليم القائم على القيم "العلمانية" الغربية. فهو تعليم باللغة الإنجليزية لمواد حديثة، ليست فيها مواد إسلامية، وتقوم على الاختلاط بين الجنسين، وممارسة الرياضة في مجتمع تقليدي يشعر بالغربة أمام هذه الحداثة المستوردة التي يمارسها الغرب أو المتغربون. يشعر الجمهور تجاهه بالغربة ويصاب بالاغتراب أي العزلة عن عالمه ضد التغريب أي التماهي مع الغرب. وهو ما يحدث للمهاجرين المسلمين في الغرب نتيجة للصدمة الحضارية وعدم التواصل بين المجتمع القديم الذي أتوا منه والمجتمع الجديد الذي يحلون فيه خشية من الاندماج. ولذا تشعر هذه الجماعات بأن القديم مكتف بذاته. يعطيها ما تحتاجه من علم سلوكي تقيم عليها حياتها، وتشعر معه بالسعادة والألفة. تجد هويتها فيه ووحدتها دون انقسامها بين قديم غير معترف به وجديد غريب عليها لم تساهم فيه، يسبب لها القسمة بل والصراع بين الأنا والآخر. وهي تشعر بهذا الانقسام من قبل منذ الاحتلال حتى عمليات التحديث التي تقوم بها الحكومات التالية، في عهد الدول الوطنية. تفهمه وتجد نفسها فيه، والخلاص من أزمتها بواسطته وتتواصل معه، تجد حاضرها في ماضيها، وماضيها في حاضرها. تحتمي به ضد كل محاولات التغريب وإخراجها عن ذاتها واغترابها عن نفسها. لذلك ترفع الجماعات المتطرفة شعارات للدفاع عن نفسها ضد عمليات الهجوم عليها عن طريق التعليم والثقافة والإعلام بل وبعض نظم الحكم. حيث ترفع تلك الجماعات المتطرفة لافتات وشعارات لا تقصد معانيها. وهي على الأقل أربعة. الأول "الحاكمية لله"، فالدين لا يظلم ولا يحابي ولا ينحاز. الدين رمز المساواة والعدل والخلاص. حاكمية الله أفضل من حاكمية البشر. والثاني "الإسلام هو الحل" وهو شعار تدغدغ به مشاعر العامة المتدينة المضطهدة التي تعاني من الفقر والبطالة، والتي تكابد كل ما قد يعانيه المجتمع من ظلم وفساد وقهر. والثالث "الإسلام هو البديل" بعد أن جربت الحكومات الاشتراكية والرأسمالية، الشيوعية والليبرالية، القومية والعولمية، فزادت المشاكل الاجتماعية وتفاقمت الأزمات الاقتصادية، والشعب هو الخاسر في كل الحالات في الغذاء والكساء والتعليم والعلاج والأمن من الحروب الأهلية والعرقية. والرابع "تطبيق الشريعة الإسلامية" التي لا تظلم. يتساوى أمامها الناس. وما زالت تتفق مع المفاهيم والممارسات التقليدية في سيادة الرجل على المرأة، وتعدد الزوجات، ووضع المرأة بوجه عام. فإذا ما تحول هذا الفصل الحضاري بين القديم والجديد إلى صراع سياسي بين فريقين، الأول باسم الأصالة والثاني باسم الحداثة، تسيل الدماء، وتقع الحرب الأهلية بين أبناء الوطن الواحد. كل فريق يدّعي أنه على حق والآخر على باطل في ثقافة ثنائية تقوم على التعارض بين الإيمان والكفر، الإسلام والجاهلية، الصواب والخطأ، النور والظلام. ولا لقاء ولا مصالحة بين الطرفين بل الصراع والقتال حتى يقضي أحد الطرفين على الآخر. ولما كان الإيمان هو الذي ينتصر على الكفر، والحق على الباطل، "قل جاء جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً"، فإن من يقوم بذلك حسب فهم جماعات التطرف هو "الأقلية المؤمنة"، أو "الجيل القرآني الفريد"، عن طرق التغيير باليد، أولا قبل اللسان والقلب، على عكس ما نصت عليه الشريعة. وبدلا من هذا الاستقطاب الذي يولد مثل هذه الجماعات المغالية، إثبات الذات ونفي الآخر، يمكن تطوير القديم وتجديده من داخله بفعل آليات داخلية كالاجتهاد والفرق التي كانت تدعو إليه مثل المعتزلة والمذاهب التي كانت تمارسه مثل الحنفية أو باسم المصالح العامة مثل المالكية، "ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن". وفي الوقت نفسه يمكن نقد الجديد وعدم تقليده تقليداً أعمى، فالتقليد ليس مصدراً من مصادر العلم، لا تقليد القدماء ولا تقليد المحدثين، وأخذ موقف نقدي منه، واختيار أفضله مما يتفق مع الاتجاهات العقلانية والعلمية في القديم. يمكن اختيار العلم دون الأخلاق، والتقدم دون أشكاله، والعقل دون أحكامه. وعلى هذا النحو يكون استئناف الإصلاح هو الطريق عن تكفير الجديد وتقليد القديم. فالإصلاح هو الانفتاح على الجديد ونقد القديم، وأخذ منهج التطور والانتقال من القديم إلى الجديد والحوار بينهما دون الفصل والصراع. تتأصل الحداثة في القديم ويجدد القديم في مصالح العصر. وبالتالي تضيع الغربة عن الجديد والألفة مع القديم لصالح الألفة مع العصر والغربة عن التقليد، تقليد القدماء أو تقليد المحدثين.