تقسم الأمراض المعدية التي تصيب البشر إلى تقسيمات مختلفة، حسب الهدف من التقسيم. أحد هذه التقسيمات، يتم على أساس الوسيلة التي ينتقل بها المرض. فهناك مثلا أمراض مُعدية تنتقل عن طريق الحشرات، أو عن طريق الطعام، أو الرذاذ، أو عن طريق الجنس، وغيرها من السبل والوسائل التي تستخدمها الجراثيم والميكروبات للانتقال من شخص إلى آخر، أو من الحيوانات إلى البشر. وضمن هذا التقسيم، يوجد ما يعرف بالأمراض المنقولة أو المحمولة من قبل الماء (Waterborne Diseases). وفي هذه المجموعة، تنتقل الجراثيم والميكروبات بشكل مباشر مع شرب المياه العذبة، أو بشكل غير مباشر عند استخدام هذه المياه في غسل الطعام أو طهيه، أو حتى عند الاستحمام به. وتحتوي هذه المجموعة على طائفة متنوعه من الأمراض، بعضها بكتيري مثل الكوليرا، والدوسنتاريا، والتيفوئيد، وغيرها، والبعض الآخر فيروسي، مثل فيروس شلل الأطفال، وفيروس التهاب الكبد الوبائي (A)، وفيروس النزلات المعوية الحادة، وحتى فيروس "السارس"، وغير ذلك. أما في مجموعة الطفيليات التي تنتقل عن طريق الماء، فنجد أمراضاً مثل البلهارسيا، والإسكارس، والديدان الشريطية وغيرها. وهذه القائمة المختصرة، تظهر مدى التنوع الهائل في أنواع الميكروبات والجراثيم التي تستخدم الماء كباب خلفي لغزو الجسم البشري، واستخدامه للنمو والتكاثر، مسببة العديد من الأمراض والعلل. ويغيب عن الكثيرين مدى فداحة الثمن الإنساني لهذه الأمراض، وهو الثمن الذي يتضح من حقيقة أن الإحصائيات والتقديرات تشير إلى أن أكثر من خمسة ملايين شخص يلقون حتفهم حول العالم كل عام بسبب الأمراض المنقولة بالماء، وهو رقم يزيد عن عشرة أضعاف من تقتلهم الحروب والصراعات المسلحة سنوياً. بل إن واحداً فقط من هذه الأمراض -الإسهال- يعتبر وحده مسؤولا عن وفاة 1.8 مليون طفل سنوياً. ويمكن رد هذه المأساة الإنسانية إلى أسباب عدة، منها الأولويات الخاطئة لسياسات الصحة العامة، وللجهات المانحة والمنظمات التي تسعى لمكافحة الأمراض المعدية في الدول الفقيرة. وهو ما اتضح من تقرير أصدرته إحدى المنظمات الخيرية الدولية بداية هذا الصيف، وهي منظمة "المساعدة المائية" (WaterAid). حيث سعى هذا التقرير إلى إظهار مدى الاختلال فيما ينفق على مكافحة الأمراض المعدية التي تقتل الأطفال، بالنسبة إلى عدد من يلقون حتفهم بسبب هذه الأمراض. فعلى سبيل المثال، يقتل الإسهال 1.8 مليون طفل سنوياً كما ذكرنا سابقاً، ولكن بلغ ما أنفق خلال عامين على تطوير نظم الصرف الصحي -أحد أفضل الإجراءات للوقاية من الأمراض المنقولة بالماء- مجرد ملياري دولار. وفي الوقت نفسه، أنفق العالم أكثر من 11 مليار دولار على مكافحة فيروس الإيدز، على رغم أن عدد الأطفال الذين يموتون سنوياً بسبب هذا الفيروس لا يزيد عن 300 ألف طفل. وهو ما يعني أن الإسهال الذي يقتل ستة أضعاف من يقتلهم الإيدز سنوياً، ينفق عليه خمس ما ينفق على مكافحة الإيدز. ويؤكد تقرير المنظمة على إظهار حقيقة أن الإسهال وحده يقتل من الأطفال، أكثر مما يقتل الإيدز، والسل، والملاريا مجتمعة. وبخلاف اختلال أولويات الإنفاق، توجد مشكلة أكبر، من شأنها أن تزيد من عدد ضحايا الأمراض المنقولة بالماء خلال السنوات والعقود القادمة، وهي أزمة المياه العذبة، المتمثلة في نقص وشح المياه الصالحة للاستخدام الآدمي في العديد من مناطق العالم، مما سيضطر الكثيرين للجوء إلى مصادر مياه قد تكون ملوثة. فمن المعروف أن مصادر المياه العذبة على كوكب الأرض هي مصادر محدودة وثابتة، وإن كان عدد أفراد الجنس البشري الذين يحتاجونها في ازدياد مستمر. فمصادر المياه التي كانت تسد حاجة مليار شخص قبل عقود قليلة، أصبح عليها الآن أن تسد احتياجات ستة مليارات حالياً، وتسعة مليارات في المستقبل القريب. وبالإضافة إلى زيادة أعداد البشر، ازدادت أيضاً متطلبات واحتياجات الشخص الواحد منهم من المياه العذبة، بالترافق مع ارتفاع مستويات المعيشة وزيادة التطلعات. فالبشر لا يزداد عددهم فحسب، بل تزداد أيضاً احتياجات واستهلاك كل فرد منهم عاماً بعد عام. وهذا ما يتضح من حقيقة أن في الفترة الممتدة من عام 1900 إلى 1995، ازداد فيها استهلاك البشر من المياه العذبة بمقدار ستة أضعاف، وهي نسبة أكبر من ضعف الزيادة البشرية التي حدثت خلال تلك الفترة، أي أن الفرد البشري الواحد، زاد استهلاكه من المياه العذبة خلال تلك الفترة بمقدار ثلاثة أضعاف. ولذا فليس من المبالغة القول إن الجنس البشري يعيش حالياً أزمة مائية، ستتحول إلى كارثة بيئية وطبية صحية في المستقبل. وفي الوقت الحالي يعيش ثلث سكان العالم تحت نوع من الضغوط المائية (Water Stress) بسبب شح ونقص المياه العذبة، وهي النسبة التي يتوقع لها أن ترتفع إلى ثلثي عدد البشر بحلول عام 2025. وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن الأمم المتحدة توصي بتوفير خمسين لتراً من الماء العذب للشخص الواحد كحد أدنى، لغرض الشرب، والطهي، والاستحمام، والصرف الصحي، فسنجد أن هناك أكثر من مليار شخص يعيشون حالياً تحت خط الفقر أو العوز المائي الشديد. وهذا الفقر والعوز المائي، سيجعل الكثيرين مضطرين إلى استهلاك مياه ملوثه لسد احتياجاتهم، وهو ما سيؤدي بالتبعية إلى زيادة أعداد من يفقدون حياتهم بسبب الأمراض المنقولة بالماء. د. أكمل عبدالحكيم