وفقاً للمفوّض الأوروبي لشؤون الصناعة، فإن قطاع البنوك لم يتعلم من دروس "الأزمة المالية والاقتصادية العالمية"، مطالباً باعتماد معايير وقواعد موحّدة للرقابة على البنوك والشركات المتخصصة في دراسة مدى صدقيّة الشركات الاستثمارية وأحقيّتها في الحصول على قروض بنكية. وفي دولة الإمارات يبدو من الواضح، من خلال ما تنشره بعض الصحف المحلية عن "التسهيلات" التي تقدّمها البنوك في القروض، أن بعض البنوك في الدولة لم تستفد من الدروس التي قدّمتها "الأزمة المالية العالمية"، وأنها ترتكب الأخطاء نفسها التي كانت أحد أهم أسباب حدوث الأزمة، وهي التساهل في منح القروض من دون وجود ضمانات كافية. في هذا الإطار فإن صحيفة "الإمارات اليوم" تحدّثت، مؤخراً، عما سمّتها "عروضاً خيالية" لبعض البنوك الإماراتية لعملائها فيما يتعلق بتمويل شراء وحدات سكنيّة وسيارات، حتى إن بعض هذه العروض انطوت على فائدة صفر في المائة بالنسبة إلى القروض الخاصة بتمويل شراء سيارة، هذا فضلا عن إتاحة التمويل العقاري لغير المقيمين في الدولة بنسبة تصل إلى 75 في المئة من قيمة العقار في أبوظبي لفترة تصل إلى نحو 30 عاماً. لا شكّ في أن ذلك يعكس في أحد وجوهه ارتفاع معدلات السيولة لدى البنوك في الدولة بعد فترة من التعثّر، وهذا يعني أمرين مهمين، الأول هو نجاح سياسة الدولة في توفير السيولة للبنوك منذ بداية "الأزمة الماليّة العالميّة"، وقد أشار "البنك المركزي" إلى أن حجم الودائع لدى البنوك المحلية ارتفع إلى 961.7 مليار درهم في نهاية شهر يونيو 2009 مقارنة بـ 922.5 مليار درهم في نهاية عام 2008. الأمر الثاني هو أن الإمارات تخرج سريعاً من دائرة الآثار السلبية للأزمة مثلما أشارت إلى ذلك الكثير من التقارير الدولية المتخصّصة خلال الفترة الأخيرة. ولا شكّ أيضاً في أن التوسع في منح القروض بمختلف أنواعها ليس سلبياً في حد ذاته، وإنما الخطر يكمن في طريقة المنح والاعتبارات التي تؤخذ في الاعتبار في هذا الخصوص، فمن الخطر التوسّع في منح القروض الاستهلاكية على حساب القروض الأخرى من ناحية، وعدم التدقيق في عملية التمويل البنكية من ناحية أخرى، حيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى آثار سلبيّة على أكثر من مستوى. لا شكّ في أن الأمر لا يتعلق بالبنوك الإماراتية كلّها، وإنما هناك بنوك استوعبت درس "الأزمة المالية" جيداً، وتعمل على التدقيق في منح القروض. انتعاش حركة القروض في البنوك في الإمارات يعني، كما سبقت الإشارة، نجاح السياسة النقديّة التي اتبعها "البنك المركزي" في مواجهة "الأزمة المالية العالمية"، لكن في الوقت نفسه من المهمّ أن يكون درس هذه الأزمة واضحاً وماثلاً أمام المسؤولين في البنوك، بحيث يدفعهم إلى تبنّي سياسة تمويل محكمة يتم بموجبها توجيه القروض إلى وجهتها الصحيحة مع توافر الضمانات الكافية لمنحها، حتى لا تتكرّر ظاهرة القروض الشخصية العشوائية التي عاناها النظام المصرفي والمجتمع الإماراتي قبل "الأزمة المالية"، ليس على المستويات المصرفية فقط، وإنما الاجتماعية والأمنية أيضاً.