من المفاهيم الإسلامية المستعملة في العصر الحاضر مفهومان، غالباً ما يفهمان على غير معناهما الحقيقي إذ يلبسان دلالات في اللغة العربية المستعملة، التي تشتمل على كثير من الكلمات المولدة أو المعربة من لغات أجنبية، فيحمَّلان معانيَ لا أصل لها في المرجعية الإسلامية: معانيَ سياسية في الغالب، تدخلهما في قائمة الألفاظ التي تستعمل لإثارة الفتنة عن قصد أو غير قصد. ومن هنا اعتبرناهما من جملة "ألفاظ الفتنة" في قاموس اللغة العربية المعاصرة. أقصد بذلك مفهوم "الأمة" ومفهوم "الدولة" اللذين يستعملان في لغتنا المعاصرة كمفهومين متلازمين مترابطين محملين بحمولات سياسية، في حين أن وضعهما في المرجعية العربية الإسلامية مختلف تماماً: فإذا كان هذان المفهومان يستدعي كل منهما الآخر في فكرنا المعاصر، فلا تذكر "الأمة" إلا ويخطر بالبال مفهوم "الدولة"، والعكس أيضاً صحيح، فإن الأمر على خلاف هذا تماماً في مرجعيتنا التراثية، حيث نجد كلا منهما مستقلا تماماً عن الثاني. وهذا الوضع الذي عليه هذان اللفظان في المرجعية الإسلامية الأصلية يجعل من العدوان عليه واختراقه بتحميله ما ليس من طبيعته هو مصدر الكثير من الفتن في كل من الفكر الإسلامي المعاصر كما في كثير من وقائع العالم الإسلامي حين تكون الحركة فيه موجهة بهذا النوع من الفكر المفتون. ولكي نعطي لهذه الأحكام التي أطلقناها هنا ما يبررها ويسندها نرجو من القارئ أن يتتبع معنا بصبر وتدبر ما يلي: يقول صاحب لسان العرب: - "والأُمَّةُ والإِمَّةُ: الدِّينُ. قال أَبو إِسحق فـي قوله تعالـى: "كان الناسُ أُمَّةً واحدةً فبعَث اللَّهُ النَّبِـيِّـين مُبَشِّرين ومُنْذِرينَ"، أَي كانوا علـى دينٍ واحد. والأُمَّةُ: الطريقة والدين. يقال: فلان لا أُمَّةَ له أَي لا دِينَ له ولا نِـِحْلة؛ وقوله تعالـى: "كُنْتُمْ خير أُمَّةٍ" : قال الأَخفش: يريد أَهْل أُمّةٍ أَي خير أَهْلِ دِينٍ؛ والإِمَّةُ: لغة فـي الأُمَّةِ، وهي الطريقة والدينُ... - وتَأَمَّـم به وأْتَمَّ: جعله أُمَّةً. وأَمَّ القومَ وأَمَّ بهم: تقدَّمهم، وهي الإِمامةُ. والإِمامُ: كل من ائتَمَّ به قومٌ كانوا علـى الصراط الـمستقـيم أَو كانوا ضالِّـين. ابن الأَعرابـي فـي قوله عز وجل: "يَوْمَ نَدْعُو كلَّ أُناسٍ بإِمامِهِمْ"، قالت طائفة: بكتابهم، وقال آخرون: بنَبـيّهم وشَرْعهم، وقـيل: بكتابه الذي أَحصى فـيه عَمَله. وسيدُنا رسولُ اللَّهِ، إِمامُ أُمَّتِهِ، وعلـيهم جميعاً الائتمامُ بسُنَّته التـي مضَى علـيها. - ورئس القوم: أَمُّهم. والإِمامُ ما ائتُمَّ به من رئيسٍ وغيره، والـجمع أَئِمَّة وفـي التنزيل العزيز: "فقاتلوا أَئِمَّةَ الكُفْر"، أَي قاتِلوا رؤساءَ الكُفْر وقادَتهم الذين ضُعَفاؤهم تَبَعٌ لهم. وكذلك قوله تعالـى: "وجَعلْناهم أَيمَّةً يَدْعون إِلـى النار"، أَي مَن تَبِعَهم فهو فـي النار يوم القـيامة. الإِمامُ الذي يُقْتَدى به وجمعه أَيمَّة، وأَصله أَأْمِـمَة. وإِمامُ كلِّ شيء: قَـيِّمُهُ والـمُصْلِـح له. والقُرْآنُ إِمامُ الـمُسلـمين وسَيدُنا مـحمد رسول الله، إِمامُ الأَئِمَّة، والـخـلـيفة إِمام الرَّعِيَّةِ، وإِمامُ الـجُنْد قائدهم. يقال: فُلانٌ إِمامُ القوم؛ معناه هو الـمتقدّم لهم، ويكون الإِمامُ رئيساً كقولك إِمامُ الـمسلـمين، ويكون الكتابَ، قال الله تعالـى: "يَوْمَ نَدْعُو كلَّ أُناسٍ بإِمامِهم"، ويكون الإِمامُ الطريقَ الواضحَ؛ قال الله تعالـى: "وإِنَّهما لَبِإِمامٍ مُبـينٍ"، ويكون الإِمامُ الـمِثالَ؛ يقال: فُلانٌ أَحقُّ بإِمَّةِ هذا الـمسجد من فُلان أَي بالإِمامة... - والأُمَّةُ: القَرْن من الناس؛ يقال: قد مَضَتْ أُمَـمٌ أَي قُرُونٌ. وأُمَّةُ كل نبـي: مَن أُرسِل إِلـيهم من كافر ومؤمنٍ. اللـيث: كلُّ قوم نُسِبُوا إِلـى نَبـيّ فأُضيفوا إِلـيه فَهُمْ أُمَّتُه، وقـيل: أُمة مـحمد، كلُّ مَنْ أُرسِل إِلـيه مِـمَّن آمَنَ به أَو كَفَر، قال: وكل جيل من الناس هم أُمَّةٌ علـى حِدَة، وقال غيره: كلُّ جِنس من الـحيوان غير بنـي آدم أُمَّةٌ علـى حِدَة. والأُمَّةُ: الـجِيلُ والـجِنْسُ من كل حَيّ. وكُلُّ جنس من الـحيوان أُمَّةٌ. - وكل مَن كان علـى دينِ الـحَقِّ مُخالفاً لسائر الأَدْيان، فهو أُمَّةٌ وحده. وكان إِبراهيم خـلـيلُ الرحمن، علـى نبـينا وعلـيه السلام، أُمَّةً. والأُمَّةُ: الرجل الذي لا نظير له؛ ومنه قوله عز وجل: "إِن إِبراهيم كان أُمَّةً قانِتاً للَّه". ويضيف صاحب لسان العرب: وأَصل هذا الباب كله من القَصْد. يقال: أَمَـمْتُ إِلـيه إِذا قَصَدْته، فمعنى الأُمَّة فـي الدِّينِ أَنَّ مَقْصِدَهم مَقْصِد واحد، ومعنى الإِمَّة فـي النِّعْمة إِنما هو الشيء الذي يَقْصِده الـخـلْق ويَطْلُبونه، ومعنى الأُمَّة فـي الرجُل الـمُنْفَرد الذي لا نَظِير له أَن قَصْده منفرد من قَصْد سائر الناس... فمن قال ذو أُمَّةٍ فمعناه ذو دينٍ، ولـيس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى أَمَـمْت قَصَدْت. - والأُمَّةُ: الـحِينُ. قال الفراء فـي قوله عز وجل: "وادَّكَرَ بعد أُمَّةٍ"، قال بعد حينٍ من الدَّهْرِ. وقال تعالـى: "ولَئِنْ أَخّرْنا عنهم العَذاب إِلـى أُمّةٍ معْدودةٍ". والأُمَّة: الطاعة. والأُمَّة: العالِـم. وأُمَّةُ الرجل: قومُه. والأُمَّةُ: الـجماعة؛ قال الأَخفش: هو فـي اللفظ واحد وفـي الـمعنى جَمْع. وقوله فـي الـحديث: إِنَّ يَهُودَ بَنـي عَوْفٍ أُمَّةٌ من الـمؤمنـين، يريد أَنهم بالصُّلْـح الذي وقَعَ بـينهم وبـين الـمؤمنـين كجماعةٍ منهم، كلـمَتُهم وأَيديهم واحدة"... الخ. واضح من هذا التعدد والتنوع في معاني لفظ "أُمَّة" في المرجعية العربية الإسلامية أنه يمكن الرجوع به إلى فكرة "الجماعة"، وهذا ما نص عليه الراغب الأصبهاني في كتابه "مفردات ألفاظ القرآن الكريم" حيث يقول: "الأمة: كل جماعة يجمعهم أمر ما: إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيراً (كما هو الحال في الحيوان) أو اختياراً (كما هو الشأن في الإنسان). والملاحظة الأساسية عندنا هنا هي غياب أية علاقة، قائمة أو محتملة، بين أي معنى من المعاني السابقة وبين "مفهوم الدولة". فإذا رجعنا إلى لسان العرب وجدنا معنى الدولة "يتحدد" كما يلي: الدَّوْلةُ والدُّولةُ: العُقْبة في المال والحَرْب سَواء، وقيل: لدُّولةُ، بالضم، في المال، والدَّوْلةُ، بالفتح، في الحرب، وقيل: هما سواء، يضمان ويفتحان، وقيل: بالضم في الآخرة، وبالفتح في الدنيا، وقيل: هما لغتان فيهما، والجمع دُوَلٌ ودِوَلٌ. الجوهري: الدَّوْلة، بالفتح، في الحرب أَن تُدال إِحدى الفئتين على الأُخرى، يقال: كانت لنا عليهم الدَّوْلة، والجمع الدُّوَلُ. والدُّولة، بالضم، في المال؛ يقال: صار الفيْء دُولة بينهم يَتَداوَلونه مَرَّة لهذا ومرة لهذا، والجمع دُولات ودُوَلٌ. إِنما الدَّولة للجيشين يهزِم هذا هذا ثم يُهْزَم الهازم، فتقول: قد رَجَعَت الدَّوْلة على هؤلاء كأَنها المرَّة؛ قال: والدُّولة، برفع الدال، في المِلْك والسُّنن التي تغيَّر وتُبدَّل عن الدهر فتلك الدُّولُة والدُّوَلُ. وقال الزَّجاج: الدُّولة اسم الشيء الذي يُتداول، والدَّوْلةُ الفعل والانتقال من حال إِلى حال ويقال: تَداوَلْنا العملَ والأَمر بيننا بمعنى تعاوَرْناه فعَمِل هذا مَرَّة وهذا مرة" هذا كل ما نجده في معنى "الدولة" في المرجعية العربية الإسلامية. فبأي معنى يمكن إقامة العلاقة بينها وبين "الأمة"؟ يمكن أن نقول مثلا "أمة الإسلام" بمعنى الجماعة من الناس التي تؤمن بالدين الإسلامي، صغيرة كانت أو كبيرة تلك الجماعة؟ أما عبارة "دولة الإسلام" فلا تستقيم إلا إذا أردنا مثلا انتقال المرة التي كان النصر فيها للإسلام على خصومه، في إطار تداول النصر والهزيمة، أو الغنى والفقر، مع طرف أو أطراف تكون ماهيتها في معنى "الدين"، لأن التقابل هنا يقتضي ذلك. فالإسلام دين، ولا يمكن أن يكون المقابل شيئاً آخر غير الدين. فمن أين جاءت عبارة "دولة الإسلام" في قاموسنا المعاصر؟ إنها لم تأت من اللغة ولا من الإسلام كدين وإنما من "التاريخ". وأكثر من ذلك فإن ميلاد لفظ "الدولة" كما نستعمله اليوم جاء ظهوره متأخراً كثيراً عن ميلاد لفظ "الأمة"، أما العلاقة بينما فهي غائبة تماماً، وأما ربط الواحد منهما بالآخر في العبارة الأوروبية التي نترجمها بـ "الدولة الأمة" ETAT/NATION فلا شيء يمكن أن نجد له في تراثنا أثراً يدل عليه.