العظماء في التاريخ لهم أخطاء عظيمة، فهم في سبيل تحقيق أحلامهم الكبرى وأهدافهم السامية وغاياتهم الاستراتيجية، يقعون في أخطاءٍ يرونها تكتيكية هنا وهناك، ولكنّها تعيش بعدهم، وتنشر أذاها ومضرّتها بشكلٍ كبيرٍ، وتشغل الأهداف العظمى أولئك العظماء عن الأخطاء الصغرى في وقتهم، ولا يستحضون أنّها قد تكبر فيما بعد وتكون لها آثار كارثية عظيمة، وليس لبشر كمال، ولا لإنسان عصمة، هكذا تحدثت الأديان وروت التواريخ ونطقت تجارب الأمم. يميّز السياسي المحنّك قدرته على قراءة واقعه بخلفياته المختلفة، والتعامل معه التعامل الأمثل فيما يخدم وطنه وشعبه ومصلحته، ويميّزه أكثر حين يكون رائداً لا يكذب أهله في استطلاع المستقبل واستبصار الغد، مع كل ما يحملانه من آمالٍ وتحدّياتٍ ومخاطر. كان الآباء المؤسسون في أميركا ذوي حكمة عظيمة ومعرفة واسعة ورؤية ثاقبة، فقد نجحوا في تحرير بلادهم وتخلّصوا من المستعمرين، ولكنّهم لم يكتفوا بذلك، بل لقد نظروا إلى واقعهم ومستقبل بلادهم وأهداف شعبهم في الحفاظ على شعلة الحريّة متّقدةً وضمان الاستمرارية للسلم الاجتماعي في مجتمع كان يغصّ بالتناقضات والمشكلات، فكتبوا الدستور، ورسموا مسار الأمة لا في أحداثه المتغيرة، بل في ثوابته الكبرى، وقد حفظ لهم التاريخ ذلك فبقوا كباراً عظماء، وقد كانت لهم أخطاؤهم التي منها الإبقاء على الرقّ والعنصرية حتى تداركها عظماء لاحقون. لقد ناضل غاندي لتحرير الهند، وقدّم مع رفاقه نبراساً للبشرية في أنّ العقل والحكمة تهزم القوّة أنّى تمظهرت وكيفما تشكّلت وإن بعد حينٍ، وأن الرهانات لا تخسر حين ترتبط بأهداف أمةٍ ومصير شعبٍ، ولكنّها في ذات الوقت لا تخضع للمتهوّرين والمجازفين، بل تنصاع راضيةً للعاقل وتنصت مصيخةً لصاحب الحكمة، غير أنّ غاندي العظيم الذي نجح في إخراج المستعمر من بلاده بحكمة وروية وأبقاه صديقاً بعد خروجه لم تسعفه حكمته ولم تطعه أمته في قضية الاحتراب الداخلي، وأخطأ السبيل في القضاء على تلك الفتنة، التي أدّت لاحقاً لانقساماتٍ سياسيةٍ ليس هذا مجال الحكم المعايري عليها، ولكنّنا هنا بصدد إثبات أنّ العظماء يخطئون التقدير حيناً وتخونهم حكمتهم حيناً، وذلك ما لاينقص من قدرهم، ولا يضع من مكانتهم إلا لدى الجهلاء المتسرّعين الذين تعشيهم التفاصيلُ عن الصورة الكاملة، وتحجب عنهم الجزئياتُ الرؤيةَ الحقّة، وقد كان غاندي عظيماً وله أخطاؤه العظيمة. ?المجال رحب للنماذج والأمثلة من التاريخ والواقع للتدليل على هذه الفكرة التي سقناها، ويمكننا ذكر الكثير من الأسماء والرموز والعظماء، ولكنّنا نبغي الاختصار، ونقصد للاكتفاء من القلادة بما يحيط العنق. في موضوع الإرهاب وهو واحد من أهم ما يشغل قادة العالم اليوم من مفكرين وسياسيين واقتصاديين وخبراء وباحثين، فإنّنا بحاجةٍ إلى عظماء يواجهونه بالعقل والحكمة والحزم، من شتى المناحي ومختلف التوجهات، فهو داء مستشرٍ وبلاء عام، وحين يتعاضد الجميع لإعلان \"الحرب على الإرهاب\"، فإن تلك الحرب هي حرب واجبة على الجميع، كل بما يستطيع وما يحسن، ولا تعني بحالٍ اعتماد رؤية بوش الابن ولا طريقته ولا أسلوبه كما يحسب البعض، بل تعني أنّ هذه الحرب هي حرب واجب خوضها من قبل الجميع في العالم، ولكلٍ رؤيته واستراتيجيته وتكتيكه، ولكنّها رغم هذا كلّه حرب يجب حسمها بالنصر، ومعركة، يجب ختمها بالظفر، ليبقى للناس تعايشها وتحظى البشرية بالأمن والأمان الذي تنشده. كثير هنا ما يمكن أن يُقال، غير أن في الإيجاز متعظ، وفي الاختصار مرتجى، وهذا ما يعيدنا لمنطقتنا العربية، وما جرى فيها من أحداث دعمت جذور الإرهاب وقرارات سقت شجرته وأروت جذوره. لقد كان عبدالناصر عظيماً في تأثيره ودوره، وبخاصةٍ فيما يتعلّق بمحاربة الإرهاب والعنف والتطرّف ومواجهته، وقد أخطأ أخطاء كبرى في هذه المحاربة، وتلك المواجهة، وذلك حين سمح لأجهزته الأمنية بتفكيرها المغلق أن توجّه مواقفه تجاه الداخل المصري والسوري في لحظة معينةٍ، وهو وإن كان محقاً في التصدّي للغلوّ والتطرف الذي شاع في زمنه، فهو قد أخطأ في مواجهته، فالقوّة الضاربة لا تكفي للقضاء على الإرهاب والعنف، ولا لانتزاع جذوره، بل هي بحاجةٍ دائمةٍ إلى فكرٍ يوازيها، فكرٍ قادرٍ على مجابهتها استراتيجيا ونزعها من أصولها، وقد اتبع عبدالناصر حلّ القوة ونسي حلّ الحكمة، وكان ذلك خطأً عظيماً من قائدٍ عظيمٍ. جاء السادات من بعده، وانشغل بالسياسة الخارجية والداخلية في أمور عامة تهمّ السياسي، وكان بحقٍ قائداً عظيماً، فهو قد انتصر في الحرب في حين هزم سلفه، وانتصر في السلام حيث لم يجرؤ سابقه، وقلب داخل مصر إلى عالم آخر وتوجه مختلف. ولكنّه في مواجهة الإرهاب والتطرف، لم يأخذ برأي الحزم، ولم ينتبه لصوت العقل، فمنح التوجهات الإسلامية التي تحتوي على العنف كامل المساحة للتحرّك ومطلق الحرية في التأثير، وكان يريد بذلك ضرب \"اليسار\" المتصاعد في وقته، وقد نجح في هذا، ولكنّه خسر خسارةً كبرى بصعود التيار الإسلامي، الذي يحتوي على توجّهٍ متطرّف داخلياً بشكلٍ أدّى في النهاية إلى اغتياله على أيدي هؤلاء في حادث المنصّة الشهير، وكان ذلك خطأ عظيماً من قائد عظيم. في العالم العربي من المغرب إلى الجزائر إلى الخليج، تمّ ارتكاب ذات الخطأ العظيم، وهو خطأ دعم الحركات الإسلامية التي تحوي الكثير من العنف في مواجهة \"اليسار\" والقوميين من قبل قادة عظماء، وكان الحصاد حنضلا والنتيجة مؤلمة. من الخطأ أن نحاكم التاريخ لمعايير الحاضر، ولكن الخطأ الأكبر هو أن نحتبس الحاضر في معاقل الماضي، وأن تحجبنا رؤية ما مضى عمّا هو كائن، وأن يعشينا خدر الأمس الواضح لنا اليوم عن عناء الغد الضبابي المتغيّر، فضلا عن أن نعيد ذات الأخطاء ونرتكب نفس الخطايا. في الخليج كانت المواجهة مع الناصرية هي المواجهة الكبرى، وقد أدار عظماء الخليج المعركة بحنكةٍ سياسية بارعة، أوصلت لأهدافها الكبرى، ولكنّها في الطريق أرتكبت أخطاء أدّت إلى مشاكل كبرى ومآسٍ عظيمةٍ لاحقاً، ومن تلك الأخطاء قرار احتواءٍ غير محسوب بشكل جيّد لعناصر إسلامية متشدّدةٍ ذات أهدافٍ سياسية لا تستثني العنف من خطابها ولا تلغيه من تاريخها، ولم يستشعر أولئك العظماء في خضم معركتهم تلك الخطأ العظيم الذي نحصد بعض آثاره اليوم. ليس بعيدا عن الأمس وما جرى فيه، بل باستحضار عميق له، فإنّ علينا اليوم فضلا عن استيعاب درس الأمس القريب، أن نرسم الخطط الصحيحة لمواجهة الحاضر المتطوّر عنفاً دينياً، وأن ننزع من صفحة الغد أشواك هذا الحاضر، وأن نئد بذوره في مهدها، ولا نمكّنها من التغوّل علينا مهما كان الثمن، ولا يُلدغ المؤمن من جحرٍ مرّتين! المهمّة شاقّة والقرار صعب، ولكن ليس لنا محيد عمّا لا بدّ منه، وما لايدرك كلّه لا يترك جلّه، والعاقل خصيم نفسه، وللوعي درجة فوق الحذر، وللرأي مكان أعلى من الشجاعة، وقديماً قال المتنبي: الرأي قبل شجاعة الشجعان/ هو أولٌ وهي المحلّ الثاني