أعادتني النبرة الحازمة في بيان وزراء الخارجية العرب الصادر عن دورتهم العادية رقم 132 في القاهرة يوم الأربعاء الماضي إلى عام 1948. لقد أكد البيان المذكور موقفاً عربياً موحداً يعتبر عملية السلام عملية شاملة لا يمكن تجزئتها، وهو ما يعني تصميماً على أن تنسحب إسرائيل من الأرض المحتلة عام 1967 على كافة الجبهات في إطار التسوية، وليس الحل على جبهة دون أخرى. بالإضافة إلى هذا المبدأ كرروا مقولة إن مبادرة السلام العربية لا يمكن أن تبقى طويلا على المائدة إذا واصلت إسرائيل تجاهلها وأيضاً ركزوا على رفض الدعوات الإسرائيلية التي تطالبنا بالتطبيع مقابل إجراء مؤقت يتعلق بوقف الاستيطان، فأكد وزراؤنا أنهم يرفضون التطبيع المجاني أي أن التطبيع سيكون جزءاً من الحل السلمي بعد الانسحاب الإسرائيلي الكامل وليس قبل ذلك. لديَّ إحساس قوي بأن هذا البيان يدخر وراء كلماته قوة إرادة صلبة من كافة الحكومات العربية، وهذا الإحساس هو الذي ذكرني بذلك البيان الذي صدر عن أمانة الجامعة العربية موجهاً إلى الأمم المتحدة باسم كافة الحكومات العربية في الخامس عشر من مايو 1948. لقد سبق البيان مغادرة المندوب السامي البريطاني في فلسطين في منتصف ليلة 14 مايو في إطار مؤامرة دولية، بعد أن قامت القوات البريطانية منذ العشرينيات بتمهيد الوضع لاستيلاء العصابات الصهيونية المسلحة على فلسطين. كان المفروض ألا يغادر البريطانيون البلاد وهي في حالة من الغليان وحرب العصابات بين اليهود والعرب، والتي نشبت في أعقاب صدور قرار التقسيم عن الأمم المتحدة في نوفمبر 1948، ولكنهم فعلوا لتمكين المنظمات الصهيونية الهاجاناه والأرجون وغيرهما من إنجاز مهمة طرد السكان العرب العزل الذين لم يكونوا مجهزين للحرب. كانت الزعامات الفلسطينية المحلية في المنفى بعد الثورة الكبرى 1936-1939 ضد البريطانيين وخططهم في تسهيل الهجرة اليهودية وتنفيذ وعد بلفور، ولقد أدى غياب هذه الزعامات إلى ضعف الاستعداد الفلسطيني لحرب العصابات، وهو الوضع الذي هيأ للصهاينة ارتكاب مذابح ضد المدنيين لإجبارهم على الهرب. العودة للتاريخ تقدم لنا برهاناً ساطعاً على صدق البيانات العربية عندما تتوافر الإرادة، ففي ضوء هذا الوضع المأساوي، صدر البيان العربي على هيئة مذكرة وجهت إلى الأمم المتحدة وجاء فيه ما يلي: الآن وقد انتهى الانتداب على فلسطين من غير أن تنشأ في البلاد سلطة دستورية شرعية تكفل صون الأمن واحترام القانون وتؤمن السكان على أرواحهم وأموالهم، فإن حكومات الدول العربية تعلن ما يأتي: - إن حكم فلسطين يعود إلى سكانها طبقاً لأحكام ميثاق عصبة الأمم والأمم المتحدة ولهم وحدهم حق تقرير مصيرهم. لقد اضطرب حبل الأمن واختل النظام في فلسطين وأدى العدوان الصهيوني إلى نزوح ما يربو على ربع مليون من سكانها العرب عن ديارهم والتجائهم إلى البلاد العربية المجاورة. تكشف الأحداث الواقعية في فلسطين عن نوايا الصهيونيين العدوانية ومآربهم الاستعمارية بما ارتكبوا من فظائع ضد السكان العرب الآمنين، ولا سيما في قرية دير ياسين وطبرية، كما أنهم لم يرعوا حرمة القناصل، فقد اعتدوا على قنصليات الدول العربية في القدس. - ولذلك ونظراً لأن فلسطين وديعة مقدسة في عنق الدول العربية، رأت حكومات الدول العربية نفسها مضطرة إلى التدخل في فلسطين لمجرد مساعدة سكانها على إعادة السلم والأمن وحكم العدل والقانون إلى بلادهم وحقناً للدماء. - تعترف حكومات الدول العربية بأن استقلال فلسطين قد أصبح حقيقة واقعة لسكان فلسطين الشرعيين وهم وحدهم أصحاب الحق في تزويد بلادهم بالنظم والمؤسسات الحكومية بمطلق سيادتهم وسلطانهم. النبرة الحازمة التي يستطيع القارئ أن يلحظها في كلمات وسياق البيان، عكست إرادة عربية موحدة على رفض المؤامرة الدولية ورفض الالتزام بموقف المتفرج على المذابح التي راحت العصابات الصهيونية تقوم بها. المهم أن نعلم أن البرهان على صدق البيان قد صاحب كتابه لكلماته، وذلك بانطلاق الجيوش العربية المحيطة بفلسطين إلى ساحة المعركة لتوقف العصابات الصهيونية، ولتتحول الحرب من حرب عصابات صهيونية ضد السكان الآمنين إلى حرب بين جيوش. لقد تمكن العرب خلال أسبوعين من انطلاق الجيوش من الاستيلاء على المناطق المخصصة للعرب في قرار التقسيم، وكذلك على الجليل وطوقوا تل أبيب. كان ذلك برهاناً على قوة الإرادة وعلى صدق الكلمات، وكان يمكن لو لم تتدخل القوى الدولية لفرض الهدنة على العرب بعد أسبوعين، أن يكتمل النصر. أتمنى للبيان العربي الحديث نفس قوة الفعل والإرادة في بيان 1948 مع عدم اللين أمام الضغوط الدولية المتوقعة. Classifications