لأسباب عملية ظلت الولايات المتحدة الأميركية دولة يحكمها الأغنياء. فانتخاباتها القومية العامة تجرى على نحو صحيح بدرجة أو أخرى، ما عدا هيمنة المال المطلقة عليها. فالذين يساهمون مالياً في الحملات الانتخابية لأعضاء الكونجرس، يخضعون لنفوذ مصدر ذلك المال، ألا وهو الخزانة العامة الأميركية. فهذه الأخيرة توفر للمساهمين الأموال اللازمة بموجب العقود التي يمنحها إياهم أعضاء مجلسي النواب والشيوخ مقابل دعم المستثمرين وأصحاب الأعمال لحملاتهم الانتخابية. وهكذا تتواصل هذه العملية الدائرية. وسوف تكون هذه العملية أرخص وأقل تكلفة بكثير فيما لو وجه المستثمرون أموالهم مباشرة لأعضاء الكونجرس، مع تفادي الوسطاء الطفيليين الذين يعتمدون على فائض الأموال الدائرة في النظام الانتخابي. فهؤلاء الوسطاء يتلقون مكافآت مالية لقاء الخدمات التي يقدمونها للساسة عن طريق إقناع طرفي العملية التبادلية: البائع والمشتري، لكونهم يتولون مهمة المساومة بين الطرفين. وقد اكتسب دور الوسطاء أهمية كبيرة في الانتخابات الأميركية إلى حد أنه أصبح يتعذر إجراؤها بدونهم. وقد اكتسب الوسطاء أهميتهم هذه في العملية الانتخابية الأميركية عبر خطوتين؛ أولاهما تتعلق بإجراء تعديل تشريعي على القوانين المنظمة لخدمات البث الإذاعي والتلفزيوني، باعتبارها خدمات عامة حكومية في الأساس. ذلك أن "لجنة الاتصالات الفيدرالية" كانت قد أنشئت باعتبارها هيئة حكومية مشرفة على الاتصالات في عام 1934. ولما كانت هذه اللجنة متوازنة سياسياً، فقد أصدرت أمراً ينص على أن تشمل خدمات البث العامة التي تقدمها قنوات التلفزة والإذاعة، المسؤولية إزاء تقديم المعلومات المتوازنة سياسياً للجمهور. لكن جاءت إدارة ريجان لتخرب هذه القاعدة المهمة، وذلك بتقويضها لسلطات "لجنة الاتصالات الفيدرالية" التي تمنحها حق فرض التوازن السياسي في التغطية الإخبارية المبثوثة عبر قنوات التلفزيون والإذاعة، إضافة إلى التغطية الإعلامية للحملات الانتخابية. وتمكن الكونجرس الذي كان يسيطر عليه الأعضاء الجمهوريون حينئذ من إفشال كل المحاولات التي قام بها الديمقراطيون لإعادة تلك السلطات إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية. غير أن هذا التغيير واجه مقاومة قوية في عام 1976 حينما رفع مرشح لعضوية الكونجرس دعوى قضائية برر فيها هزيمته في الحملة الانتخابية لخوضه تلك الحملة في مواجهة مرشح منافس له استطاع أن ينفق على حملته الانتخابية ما يفوق كثيراً قدرته المالية. وشملت الدعوى القضائية المرفوعة في ذلك الصدد الإدعاء بأن الكونجرس فرض مؤهلات مالية غير دستورية على المرشحين لتولي المناصب في المؤسسات الفيدرالية، ومنها الكونجرس. وفي إحدى أسوأ السوابق القضائية التي أقرتها المحكمة العليا الأميركية، جاء الحكم في تلك القضية بأن جميع الأموال التي أنفقت على الدعاية الخاصة بالحملات السياسية تحظى بحماية دستورية قانونية، باعتبارها تمويلاً لحرية التعبير. ومنذ ذلك الوقت أصيبت الولايات المتحدة الأميركية بحمى شراء المناصب الحكومية العامة من قبل المرشحين لتوليها ممن يحظون بأكبر عدد من المؤيدين الأغنياء لهم، وعادة ما تشير الفئة الأخيرة إلى كبرى الشركات الاستثمارية. والذي لم يضع له الحكم القضائي في القضية المذكورة آنفاً، هو توجيه المحكمة العليا على نحو غير مباشر لكافة المرشحين لتولي المناصب العامة، بتبني مواقف موالية للشركات والمؤسسات الاستثمارية. وتحت أحسن الفروض فقد بات على المرشحين تبني مواقف غير معادية لتلك المؤسسات. ويوم التاسع من سبتمبر الجاري، بدأت المحكمة العليا جلسات سماع حول حجج جديدة أثيرت بشأن شرعية فرض أي قيود على إنفاق الاستثمارات المباشر على الحملات الانتخابية للمرشحين. ويجدر بالذكر أن الشركات الاستثمارية قد مُنعت من الإنفاق المباشر على الحملات الانتخابية الفيدرالية منذ عام 1908. وفي خطوة مماثلة منعت نقابات العاملين واتحاداتهم المهنية هي الأخرى من التمويل المباشر للحملات الانتخابية الفيدرالية منذ عام 1947. كما يلاحظ أن الولايات منعت من إنفاق الشركات على حملاتها الانتخابية المحلية منذ أواخر القرن التاسع عشر. واليوم تساهم الشركات والنقابات والاتحادات المهنية بشكل غير مباشر في تمويل الحملات عبر "لجان العمل السياسي". وفيما لو سمح للشركات الاستثمارية بالتأثير المباشر على الحملات الانتخابية، عن طريق توفير الأموال اللازمة لها مباشرة، فسوف تكون البلاد كلها بمثابة شركة فرعية تابعة للاستثمارات الأميركية. وعندها لن يكون في وسع الحكومة رسم سياساتها واتخاذ قراراتها في استقلال تام عن المصالح الاستثمارية. وعليه فليس مرجحاً أن يتمكن الكونجرس من تبني تشريع قانوني يناهض هذا التوجه نحو تمويل الحملات الانتخابية من قبل الاستثمارات. ولست أدري ما إذا كانت أغلبية المواطنين الأميركيين يأملون حقاً في رفع القيود المفروضة على ذلك النوع من التمويل للحملات الانتخابية. وأغلب الظن أنهم لا يجدون ما يكفيهم من الوقت ولا المزاج للانتباه إلى مثل هذه القضايا، في ظل الظروف المعيشية الصعبة حالياً. والأرجح أنهم سوف يكتشفون ما حدث لاحقاً، عندما يتمكنون من التقاط أنفاسهم واستعادة وعيهم. ويليام فاف ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع "تريبيون ميديا سيرفيزيس"