لا أمل للأمة في استعادة حضورها واستقلال قرارها إلا بالتمسك بعروبتها وإحياء حضورها الثقافي، وقد يبدو هذا الكلام إنشائياً يستخف به الكارهون للعرب، والعاملون على التشكيك بمستقبل العروبة، وكثير منهم ورثة الشعوبية التي سبق لها للأسف أن انتصرت على العروبة في نهاية العصر العباسي، وقد استمر انتصارها عملياً حتى نهايات القرن التاسع عشر حين بدأت حركة النهضة والإحياء العربية تذكر العرب بعروبتهم، وتثير حميتهم لقوميتهم. ولسوء الحظ حدثت تشوهات عديدة في أساليب الدعوة القومية وكذلك في بعض أدبياتها التي أسهم فيها كثير من المثقفين فأساء بعضهم عن قصد، أو عن غير قصد، حين قدمها دعوة عرقية تلغي الآخر أو تقلل من شأنه، وكان لابد من تذكير المتعصبين بأن النسب في الأمم هو نسب ثقافي محض، وقد عبر عنه أجدادنا القدامى أجمل تعبير حين جعلوا اللغة بمعناها الفكري وطناً ينتسب إليه من يفكرون بهذه اللغة وليس من ينطقون بها. وقد سأل أحد المعترضين وحق له أن يسأل: هل أصبح فرنسياً أو بريطانياً إن أنا تكلمت الفرنسية أو الإنجليزية؟ وكان لابد من أن يوضح الجواب أن الانتماء إلى اللسان ليس هو مجرد النطق به، وإنما هو انتماء لثقافته وحضارته وأسلوب التفكير فيه. وخلال هذا الانتماء حظيت الأمة بمثقفيها الكبار من غير العرب عرقاً، فلا أحد ينكر على شوقي مثلا أن يكون أمير الشعراء العرب وهو من أب كردي وأم تركية وجدته لأبيه شركسية وجدته لأمه يونانية، ولكنه كان عربي القلب واللسان والفكر والثقافة والإبداع. ومثال شوقي ينطبق على كثير من المبدعين المؤسسين في ثقافتنا، وقد كفاهم الانتماء اللغوي الفكري عن الانتماء العرقي الذي لم يكن قط قوام الأمة بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليست العربية لأحد منكم بأب ولا أم، إنما العربية اللسان) ولست أقصد بالشعوبية المعاصرة دلالتها التاريخية في العصرين الأموي والعباسي كي لا يظن أحد أنني أقصد شعوبية معينة. ولست أنكر أن تكون الشعوبية قد ظهرت في بداياتها نوعاً من ردة الفعل على مبالغة بعض العرب في فهم قوميتهم والاعتزاز بها، لكونهم حملة راية الإسلام الأوائل، لكن الدين السمح كان يساوي بين الناس، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. لكن رؤية الأمويين لكون الحكم عضداً جعلهم يعتمدون على العنصر العربي أكثر من سواه، ولولا هذه الرؤية للدور العربي لما نجحت فتوحات الأمويين ولا استقر ملكهم ولا اتسعت دولتهم. فلما سقطت دولتهم بسبب الصراع العربي على الحكم وكانت الشعوبية هي التي غذته، قامت الدولة العباسية وقد اختلط بها كثير من الشعوبيين، فاعتمدت الدولة عليهم فباتوا يحرضون العرب ضد العرب، بل يحرضون الأخوة والأشقاء بعضهم على بعض كما فعلوا بين الأمين والمأمون! وقد تصاعد دور الشعوبية حتى انتهى الدور العربي واختفى، فسقطت بغداد على يد المغول، وتم تمزيق الأمة إلى دويلات مثل الدولة الطولونية في مصر والسامانية وراء النهر والصفارية في سجستان والفاطمية في المغرب، وغيرها. ولا أنكر أن بعض الدول التي تولى السلطة فيها قادة من غير العرب قد دافعت عن الإسلام دفاعاً مريراً، فلقد قاد الأمة إلى النصر على المغول والفرنجة قائدان كبيران هما صلاح الدين الأيوبي في حطين، والظاهر بيبرس في عين جالوت، ونحن العرب نعتز بهذين القائدين. وندرك أن كثيراً من شركائنا الحضاريين من الفرس والأتراك كانوا ضد فكر الشعوبية وضد توجهها، وهذا الفيروزآبادي وهو الفارسي يصف الشعوبيين في قاموسه العربي المحيط بأنهم "من يكرهون العرب ويحتقرونهم"، وأما الزمخشري صاحب "الكشاف" وهو التركماني فيقول "إنهم الذين يصغرون شأن العرب"، وكان الرجلان مع جمهرة من أمثالهم يرفضون الشعوبية، وقد كتب الجاحظ عن الشعوبية في "البيان والتبيين"، وحذر من مشروعها وخطتها وكان من أشد المناوئين لها. ولست في معرض الحديث عن تاريخ الشعوبية، فما يعنيني هو حاضرها اليوم واشتداد ساعدها، فهي في العراق تسهم وسط ساحة الدماء والدمار بالتحريض ضد العرب، وتسهم في تفريق الصف. والمفارقة أن الشعوبية الجديدة لم تعد عرقية فبعض العرب باتوا يعملون ضد العروبة، وقد تجلت دعوتهم تجليات دينية ومذهبية ضيقة، كما حدث في العراق بعد الغزو، وقد نشطت وسائل إعلام عربية مهمتها التهليل للتضليل الفكري الذي يحدث، ولست أستبعد أن تكون الشعوبية الجديدة عربية وغير عربية قد لعبت دوراً سريعاً لإجهاض ما تفاءلت به سوريا بعد زيارة الرئيس المالكي إلى دمشق، وبعد ما تم الاتفاق حوله من رؤى استراتيجية، تلم الشمل بعد شتات، وتستعيد الوجه العروبي الأصيل الجامع إلى العراق. وكنا في سوريا قد استبشرنا خيراً بما سمعناه من المسؤولين العراقيين عن تأكيدهم على أهمية العلاقة بين سوريا والعراق لكون كل من البلدين يشكل عمقاً استراتيجياً للآخر، كما يشكل البلدان تكاملا اقتصادياً، ولقد تفاءلنا بأمل أن يجد العراق مخرجاً من الفوضى إلى الاستقرار، فدعمنا العملية السياسية في العراق على طريق إنهاء الاحتلال، وتفاعلنا بإخلاص مع توجه رئيس حكومته الذي قال "إن روابط التاريخ والجغرافيا بين البلدين والشعبين الشقيقين هي عوامل أساسية لبناء علاقات استراتيجية تطوي سياسات ومغامرات وحروب النظام السابق التي أثرت على مجمل علاقات العراق مع أشقائه وأصدقائه وليس مع سوريا فقط". وقد فرحنا بعودة الوعي وتفاعلنا بإيجابية وإخلاص، لكنني كنت أتساءل في داخلي: هل سيتركنا الشعوبيون الجدد نتابع اللقاء الأخوي مع العراق؟ وهل سيسمح الكارهون للعرب أن يمضي العراق في هذا الطريق العربي الذي به وحده تقوى الأمة ويشتد ساعدها. وتذكرت ما حدث يوم أوشكت الوحدة أن تعلن بين سوريا والعراق أواخر السبعينيات من القرن الماضي، يومها سارع صدام ليوجه إلى سوريا وقيادتها اتهامات "مفبركة" وكان الهدف إجهاض فكرة الوحدة، واليوم يتكرر ما حدث ولو بشكل مختلف، فالمهم عند أعداء العرب ألا يلتقي العراق مع سوريا، والمهم عند سوريا أنها ستبقى تضم العراق إلى قلبها ووجدانها وستبقى ترحب بمن يأتي إليها لائذاً بحب أهله الأقربين، وستبقى سوريا مصرة على رفع راية العروبة ولو كره الشعوبيون.