لم تبالغ وسائل الإعلام حين وصفت افتتاح "مترو دبي"، أول من أمس، بأنه عرس وطني وحدث تاريخي بالنسبة إلى شعب الإمارات، فالحدث يمثّل بالفعل نقلة نوعية على صعد ومستويات شتّى، وينطوي على رمزيات ودلالات لا حصر لها، فضلا عمّا يمتلك من تأثيرات اقتصادية وسياحية وثقافية وحضارية بالغة الحيوية. افتتاح مشروع بهذه الضخامة، سواء لجهة التخطيط والتنفيذ أو لجهة التكلفة المادية، هو حدّ نوعي بحدّ ذاته، وما يضاعف من قيمته أنه يأتي وسط حملة إعلامية مغرضة تستهدف النيل من تجربة دبي، والسعي المغرض نحو التهوين من إنجازاتها ومحاولة التأثير سلباً في معنوياتها وطموحاتها، ولكن الرّد جاء قوياً وعملياً وواضحاً عبر إنجاز مشروع عظيم من شأنه أن يدعم الاقتصاد الوطني ويعزّز صناعة السياحة في البلاد كلها. "مترو دبي" ليس مجرّد وسيلة انتقال، فمثل هذه المشروعات الضخمة تنطوي على رمزيات ذات مغزى ومعنى، كونها تجسّد مدى التطوّر الحضاري والتقني، وما يعزّز من قيمة ذلك أن "مترو دبي" هو الأول من نوعه على مستوى منطقة الخليج العربي، ويمثّل افتتاحه دخول المنطقة إلى عصر جديد من وسائل الانتقال والتنقّل، كما يعني أيضاً تدشين ثقافة جديدة قائمة على الانتقال بوسائل المواصلات العامّة، وهي ثقافة تحتاج إلى شيء من الوقت والجهد التوعوي والإقناعي كي تتجذّر وتكتسب الانتشار المأمول والتقدير المطلوب لدى الشريحة المستهدفة من مواطنينا؛ وهذه مسؤولية تقع على كاهل وسائل الإعلام والمناهج الدراسية ومؤسسات النشء والتربية التي ينبغي أن تغرس في الجيل الجديد ثقافة قائمة على الاستفادة مما يمتلكه المجتمع من مقوّمات حضارية ونهضوية في مختلف المجالات. افتتاح مشروع بهذه الضخامة في توقيته، برغم الظروف الاقتصادية المحيطة بالعالم أجمع، يعني أملا جديداً وقوة دفع متجدّدة نحو مستقبل أرحب، بل هو طاقة نور خاطفة تشي بأن الأسوأ في الأزمة المالية العالمية وتأثيراتها في اقتصادنا الوطني قد أصبح شيئاً من الماضي، الذي لم يتبق سوى دروسه وعبره كي نستفيد منها في انطلاقتنا المتواصلة نحو المستقبل. الإيجابيات لا تقتصر على ذلك، بل إن "مترو دبي"، بكل الرونق والأناقة والإبهار والإبداع الفني الذي ارتدى حلّته منذ يوم افتتاحه هو إضافة نوعية جديدة للمعالم السياحية في البلاد، باعتبار أن محطات المترو في عواصم الدول المتقدّمة تمثّل أحد أهم المزارات السياحية، كونها تلعب دوراً يفوق نقل ملايين الركاب، فقد تحوّلت هذه المحطات بما تحويه من معارض فنية وأكشاك لبيع الكتب وأماكن انتظار رائعة، إلى أن تصبح مزاراً سياحياً بامتياز، فضلا عن كونها مجالا رحباً لاستعراض ثقافات الدول وعرض قيمها الثقافية وتراثها وتاريخها عبر لوحات فنية في متاحف فنية مفتوحة لجمهور الركاب على مدار الساعة. هناك أيضاً من الإيجابيات تقليل الزحام وتخفيف الضغط على أعصاب عشرات الآلاف من السائقين الذين يئنون تحت وطأة ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب وغير ذلك من إفرازات عصر الازدحام المروري وساعات الذروة وغير ذلك من متاعب يومية كانت تمثّل مصدر شكوى مستمراً لقاطني دبي وزائريها، ناهيك عن الحفاظ على البيئة والحدّ من التلوث الناجم عن عوادم السيارات، أضف إلى ذلك توفير الوقت والجهد وتسهيل انتقال الجمهور وإضافة ضلع بالغ التأثير إلى منظومة النقل والحدّ من الحوادث ورفع مستوى السلامة، وغير ذلك من عوامل دعم للاقتصاد وجذب مزيد من الاستثمارات الخارجية. "مترو دبي" هو إضافة نوعية جديدة لمعالم النهضة العمرانية والحضارية التي تشهدها مختلف إمارات الدولة ومدنها، حيث تحمل "أجندة" السنوات المقبلة مزيداً من الإضافات والإنجازات إلى مسيرة خير وبناء لا سقف لطموحاتها. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية