يتوقع الكثير من النقاد أن يحتل كتاب "كريس هيدجيز" الزميل الرفيع المستوى في معهد"نيشن" ورئيس مكتب "نيويورك تايمز" في الشرق الأوسط، نقطة معزولة في الطيف الأيديولوجي في الولايات المتحدة باعتباره كاتباً يتوقع له أن يثير غضب التقدميين والمحافظين على حد سواء. فرغم أنه اشتراكي معروف، ومؤلف كتاب "الفاشيون الأميركيون"(2007) الـذي حقق ذيوعا وانتشارا في حينه، والذي يلخص أفكار المؤلف حول اليمين المسيحي الأميركي، وخصوصا بعد سنوات حكم بوش العجاف، إلا أنه يعتبر مع ذلك من الشخصيات التي يصفها بعض المحللين بأنها "صديقة للدين"، حيث يبدي روحاً من التسامح، وسعة صدر تجاه مناقشات المتدينين، ولا يجعل من الدين هدفاً لهجومه، كما يفعل تياره الاشتراكي. ولعل ذلك راجع إلى أن والده كان قساً شهيراً من قساوسة الكنيسة البروتستانتية، وأنه هو نفسه حاصل على درجة الماجستير في العلوم الدينية، بالإضافة إلى أنه من المؤمنين بأن الجانب الروحي، يحتل مكانة جوهرية بالنسبة للإنسان. ويقول النقاد إنه ليس من المتوقع أن يكسب هيدجيز المزيد من الأصدقاء بعد نشر كتابه الجديد الذي نعرضه هنا وعنوانه: "إمبراطورية الوهم: نهاية الأمية وانتصار المشهدية". وكلمة الوهم الواردة في عنوان الكتاب تحيل إلى انهيار الثقافة الشعبية الأميركية، والتركيز الكبير على ما أصبح يعرف بثقافة المشاهير، وهي الثقافة التي تركز على أخبار المشاهير وصورهم وعلاقاتهم العاطفية وأحوالهم الخاصة. ويشن المؤلف هجوما كاسحا على تلك الثقافة وعلى رموزها مركزا على هدفين رخويين يوجه إليهما معظم سهامه وهما: مباريات المصارعة الحرة للمحترفين وصناعة "البورنو" أو الإباحية الجنسية. يري"هيدجيز" أن هناك تركيزا كبيرا واهتماما فائقا بتينك الصناعتين من جانب شرائح عديدة من المواطنين الأميركيين. فبالنسبة لمصارعة المحترفين، يهتم المواطنون الأميركيون بمبارياتها، ويتحمسون لأبطالها، ويجعلونها جزءا أساسيا من برنامجهم الحياتي اليومي، وموضوعا لأحاديثهم في المكاتب وأماكن العمل المختلفة. ويرى المؤلف أن الصناعتين تجسدان خواء ثقافة المشاهير الأميركية، وتكشفان عن الطريقة التي يتم بها قصف الشعب الأميركي، وجزء متزايد من شعوب العالم، بسيل منهمر من المشاهد والأقوال الجوفاء التي تحرم المتلقين الذين لا حول لهم ولا قوة من "الأدوات اللغوية والثقافية التي تمكنهم من التمييز بين الحقيقة والوهم". وثقافة المشاهير كما يقول المؤلف هي ثقافة تعتمد على الصور المتدفقة بلا انقطاع على الشاشات، وعلى المقاطع الصوتية التي يدلي من خلالها أحد المشاهير بقول ما في شأن من الشؤون، وهي ثقافة تحركها وتمكّنها الأمية. وفي الجزء الذي يتناول فيه المؤلف مشهد صناعة "البورنو"، يقول إن هذه الصناعة بالغة الخطر، ولها من الضحايا ما قد يتعذر حصره، وأن ثقافة المشاهير السائدة تساهم في تقديم عدد كبير من الرموز والأيقونات الجنسية التي تضمن استمرار وازدهار هذه الصناعة على نحو مطرد. وفيما يتعلق بالسؤال، عن ماذا تصرفنا ثقافة المشاهير؟ يقول المؤلف إن الجواب قد يحمل قدرا كبيرا من المفارقة، ذلك لأن الهجوم على الثقافة الشعبية كان دائماً مجال التخصص الأثير لليمين الأميركي السياسي؛ في حين أن الحقيقة هي أن هذا اليمين السياسي المحافظ والمتعصب، الذي يأخذ مسألة الإيمان على أنها أمر مسلم به وغير قابل للمناقشة، يساهم بدوره في صرف أنظار الأميركيين عن الاهتمام بالقضايا الحقيقية. فهذا اليمين المغالي في تطرفه الديني وتعصبه القومي يدفع برجاله من الدعاة إلى أجهزة الإعلام ويملأ بهم الشاشات وموجات الأثير من خلال دفق لا ينتهي من البرامج الدينية لدرجة أن رجال الدين هؤلاء قد أصبحوا عن طريق الإلحاح نجوما يشار إليهم بالبنان وجزءا من ثقافة المشاهير التي تصرف أنظار الشعب الأميركي عن القضايا الحقيقية. هذا "الوهم" يخدم "الإمبراطورية"، ويقصد بها المؤلف تحالف القطاع المؤسسي مع القطاع العسكري وهو تحالف يستفيد في رأيه من الإفقار المادي والمعنوي لأفراد الشعب الأميركي. فهذا التحالف هو الذي يحول بين الأميركيين، وبين رؤية ما الذي يتم عمله بالنيابة عنهم، بل وما الذي يتم من أجلهم. ومبعث غضب المؤلف الرئيسي الذي يبدو جليا في ثنايا الكتاب، أنه يؤمن إيمانا راسخاً بأنه ليست هناك إمبراطورية قد بقيت إلى الأبد، وأن يدرك بحكم ثقافته العميقة أن الولايات المتحدة قد دخلت الآن في طور انحدار أو في "دوامة الموت"، كما يصفها، حيث تشابكت مصائرها على نحو لا ينفصم بمصائر شعوب أخرى، ولأنها تعيش في ثقافة تقوم على الوهم الذي يعتبر في حد ذاته جوهرا للفناء مما يعني أن أميركا سوف تموت دون أن تترك سوى قدر ضئيل من القيمة، وهو ما يجعل هذا الكتاب بمثابة مرثية مبكرة للأمة الأميركية. سعيد كامل الكتاب: إمبراطورية الوهم: نهاية الأمية وانتصار المشهدية المؤلف:كريس هيدجيز الناشر: نوبف للنشر تاريخ النشر: 2009