في شهر يناير الماضي عندما تقلد أوباما منصب الرئاسة، كانت في حوزته العديد من الأوراق المهمة، لكن ما تلا ذلك من تطورات قلص حزمة الأوراق التي في يديه، فهل يراهن مع ذلك بما تبقى له من رصيد على أفغانستان؟ هذا هو السؤال الصعب الذي يواجهه الرئيس حالياً؟ فقد حلت ساعة الاختبار الأولى والحقيقة للسياسة الخارجية لأوباما، رغم أنها لم تأتِ على شكل أزمة مفاجئة يعلن عنها رنين الهاتف في الساعة الثالثة فجراً، بل جاءت حصيلة تراكمات تحذر كلها من أن أفغانستان على وشك الانهيار. لكن خلافاً لسلفه لم يغفل أوباما بأي حال من الأحوال مسألة أفغانستان، ولم يضعها على الموقد الخلفي لاهتماماته، فمنذ توليه الرئاسة أعلن أن الحرب في أفغانستان ضرورية ويمكن الانتصار فيها، وأمر بزيادة القوات الأميركية، كما عين قائداً جديداً للقوات المسلحة، بحيث أزاحت أفغانستان في النهاية العراق من قائمة أولويات "البنتاجون"، لكن ومع ذلك لم يحدث التغير المنشود وظلت جميع تلك الخطوات مجرد تمديد للوضع المتردي القائم. والحقيقة أن القرارات الكبرى والحاسمة لم تتخذ بعد، ومن أهمها هل الرئيس مستعد للالتزام الكامل والتام بحرب أفغانستان كما كان بوش ملتزماً بحرب العراق؟ وهل هو مستعد لتجاوز العقبات مهما أشارت الدلائل إلى تراجع التأييد الشعبي في الولايات المتحدة للحرب، وبصرف النظر عن معارضة العديد من أعضاء حزبه للحرب؟ وفي ذلك كله كان مستشارو أوباما مثل وزير الدفاع روبرت جيتس ورئيس هيئة الأركان المشتركة "مايكل مولين"، والجنرال "ستانلي ماكريستال"، واضحين في الإعلان بأن ما يقترح أحياناً من أنصاف حلول لن يكون كافياً، فالحرب تسير على نحو سيئ، و"طالبان" تعزز مواقعها يوماً بعد يوم، فيما الجهود التي بذلتها قوات التحالف على مدار السبع سنوات الماضية في أفغانستان لم تحقق الكثير. ورغم إعادة اكتشاف الجيش الأميركي مؤخراً لأبجديات مكافحة التمرد وما يوفره ذلك من أساس لاستراتيجية جديدة بدأت بعض ملامحها تتضح في الأفق، فإن الأمر يستغرق وقتاً طويلا قبل أن يتغير الوضع في الميدان قد يتراوح ما بين خمس إلى عشرات سنوات على الأقل، كما أن تحقيق النجاح مهما كان تعريف النجاح فضفاضاً سيتطلب إنفاق موارد هائلة دون أن يستطيع شخص تحديدها بالضبط، كما يتطلب أيضاً دماء أميركية يصعب تقدير عددها على وجه الدقة. لذا يواجه الرئيس تحدياً جسيماً إذا ما قرر الذهاب بالحرب بعيداً والبدء من المربع الأول، ذلك أنه لإقناع الأميركيين بالانخراط في المجهود الحربي عليه أن يطمئنهم بشأن النقاط الخمس التالية: -تشكل أفغانستان مصلحة حيوية للأمن القومي الأميركي لأن تحقيق النصر في هذا البلد البدائي والفقير والمفتقد لمنفذ بحري من شأنه توجيه ضربة حقيقية للحركة الجهادية. -الانخراط في عملية مسلحة لإعادة الإعمار بما يقتضيه ذلك من تأمين المدنيين الأفغان وتطوير الاقتصاد، وبناء مؤسسات تحظى بالشرعية، فضلا عن القضاء على الفساد وتجارة المخدرات هو الطريق الأمثل والأكثر فاعلية لحماية المصالح الأميركية في أفغانستان. -إن فشل الجهود السابقة التي بذلتها قوى عظمى في الماضي لفرض سيطرتها على أفغانستان لا يمكن تعميمه على الحالة الأميركية، فالتاريخ هنا لا يعطي دروساً وكل ما يُستنتج منه في الحرب الحالية يظل خارج السياق. -تمتلك الولايات المتحدة المال والقوات، فضلا عن الخبرة والعزيمة لإنجاز المهمة، وذلك رغم الركود الاقتصادي والعجز المتنامي في الموازنة العامة، وفتور الحماس لدى حلفائنا والضغط الممارس على قواتنا في أفغانستان. -لا توجد أولويات أخرى، سواء خارجية أو داخلية، تفوق في استعجالها أفغانستان، ولا شيء آخر يجاريها من ناحية الموارد التي يتعين بذلها في السنوات المقبلة، والتي تقدر بمئات المليارات من الدولارات، بالإضافة إلى المئات من القتلى الأميركيين على أقل تقدير. ولا شك أن التأكيد على هذه النقاط الخمس سيتطلب من أوباما توظيف كافة ملكاته الإقناعية، وهو حتى لو تمكن من ذلك سيقضي الجزء الأكبر من رئاسته- في ظل ارتفاع فاتورة الحرب واستمرار الضحايا من الجنود- في الدفاع عن تلك النقاط والتأكيد عليها على غرار الرئيس هاري ترومان في كوريا، أو ليندون جونسون في فيتنام، أو بوش في العراق لتبقى رئاسته رهينة للحرب وتداعياتها. وبالطبع لن يتصرف أوباما بتهور، إذ لابد قبل المراهنة بجميع أوراقه على أفغانستان أنه سيستشير الخبراء ويوازن القرارات، كما سيدرس كافة الاحتمالات، لكن قبل أن يضغط على زر الإعادة ويبدأ كل شيء من جديد في أفغانستان عليه أن يدرك التالي: أنه في بعض الأحيان لا تكمن القيادة الحقيقية في اتخاذ القرار الصائب، بل في طرح السؤال الصحيح؛ وفيما يتعلق بأفغانستان فإن الحاجة الملحة حالياً، في ظل أجواء الحرب اللامنتهية بالنسبة للولايات المتحدة، هي إعادة صياغة النقاش الدائر حولها، إذ فيما يتمحور النقاش الرسمي في واشنطن حول سؤال النصر وكيف يمكن تحقيقه ربما يكون السؤال الأكثر أهمية والذي يتعين على الرئيس تفحصه بعناية هو ما هي البدائل المتاحة عدا الاستمرار في حرب مفتوحة تمكن الولايات المتحدة من تحقيق مصالحها المحدودة في أفغانستان؟ هذه البدائل التي يتعين عليه في هذه اللحظة الحاسمة من رئاسته وإذا كان يريد إثبات قدرته على القيادة أن يوجه موظفيه للكشف عنها وتقفي أثرها. ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"