لفهم ما يحدث حالياً في إيران، من المفيد الاطلاع على كتاب عالم الاجتماع الفرنسي – الإيراني \"فرهاد خسروخوفار\" الصادر هذه الأيام بعنوان \"أصحاب العشرين سنة في بلاد آيات الله\". يرصد لنا الكتاب مظاهر دالة من حركية التحول العميقة داخل المجتمع الإيراني التي برزت على السطح بقوة في الأشهر الماضية، خلال وبعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ما يستنتج من الكتاب هو أن الأزمة الحالية ليست بالحدث العابر، بل هي تعبير عن انقلاب نوعي في مسار التجربة السياسية والمجتمعية الإيرانية التي قامت منذ إعلان \"الجمهورية الإسلامية\" عام 1979. ولئن كانت التعليقات والتحليلات الكثيرة التي تنضح بها هذه الأيام الصحافة العربية، قد اكتفت بالوقوف عند الصراع المحتدم في الساحة الإيرانية بين الاتجاهين \"الإصلاحي\" و\"المحافظ\"، إلا أنها لم تستبن الديناميكية العميقة للتحول الداخلي في الدولة الفارسية. ولهذه الديناميكية جوانب محورية ثلاثة، نشير إليها ببعض الاقتضاب: أما الجانب الأول فيتعلق بأزمة تسيير التعايش بين الشرعيتين \"الثيوقراطية\" و\"الانتخابية\"، الذي خرج عن آليات التحكم التوفيقي التي تبلورت تدريجياً منذ قيام \"الثورة \". والمعروف أن الصدام بين الشرعيتين واكب التجربة منذ بدايتها، وأفضى إلى إزاحة أول رئيس جمهورية إيراني \"أبوالحسن بني صدر\"، قبل أن تسيطر المؤسسة الدينية على مركز الرئاسة، الذي ليست له سوى صلاحيات تنفيذية محدودة. بيد أن انتخاب رجل الدين الإصلاحي \"محمد خاتمي\" عام 1997 رئيساً للجمهورية أعاد هذا الموقع إلى مقام \"السلطة الموازية\" في سياق حركية احتجاج واسعة داخل المجتمع المدني والأوساط الشبابية والنسوية والطلابية. وإذا كان خاتمي قد غادر السلطة عام 2005 دون أن يتمكن من استخدام الهامش المحدود له في حقل السلطة لإحداث تغيير نوعي في المشهد السياسي، إلا أن سنوات رئاسته عرفت رغم كل المضايقات انفتاحاً ثقافياً واجتماعياً عميقاً ترك آثاراً حقيقية في الساحة الإيرانية. وما لا يدركه الكثيرون، هو أن مرحلة ما بعد خاتمي شهدت تعديلا جوهرياً في النظام السياسي الإيراني، كان \"محمود أحمدي نجاد\" أثراً له وليس سبباً له. وقد رصد خسروخوفار العديد من الإجراءات التي اتخذت من أجل \"تحييد البعد الانتخابي\" في النظام السياسي، أبرزها ثلاثة هي: - الحد من استقلالية جهاز الدولة بإخضاعه لقيادة موحدة مشتركة، سواء تعلق الأمر بالمصالح الإدارية أو المالية، أو بالمصرف المركزي والمؤسسات العمومية. - فرض الهيمنة المطلقة للحرس الثوري على الحياة السياسية، بحيث أن عشرين بالمائة من البرلمان الحالي ينحدرون من صفوفه، كما أن العديد من الوزراء وكبار مسؤولي الدولة ينتمون لهذا الجيش الأيديولوجي الذي تعززت استقلاليته المالية وأصبح متحكماً في جانب كبير من الاقتصاد النفطي للبلاد. - الحد التدريجي من الطابع الانتخابي للحكم برفض ملفات الغالبية المطلقة من المرشحين والسماح بنفاذ الوجوه المقبولة من المؤسسة الدينية. وهكذا عبرت الأزمة الحالية عن انهيار آليات التعايش الدقيقة والمعقدة التي كانت تضبط العلاقة بين الشرعيتين \"الثيوقراطية\" و\"الديمقراطية\"، بإغلاق كل منافذ التعددية السياسية، التي يمكن أن تؤدي إلى مراكز القرار الفعلية. ففي الخطاب الاحتجاجي لحركة الشارع التي اندلعت مؤخراً ثلاثة مستويات متدرجة، بوتائر متمايزة أدناها الاعتراض على تزوير الانتخابات وأقصاها رفض شكل النظام السياسي بالكامل (الجمهورية الإسلامية )، مروراً بالاعتراض على شخصية الإمام المرشد (خامنئي)، الذي ضعفت قبضته على المؤسسة الدينية. وسيتحدد مصير الأزمة السياسية الإيرانية، بحسب هذا السهم التصاعدي. أما الجانب الثاني من جوانب الأزمة، فيتعلق بحركية التحديث الاجتماعي، في بلد يتصدر بلدان المنطقة كلها من حيث مؤشرات التطور المؤسسي والتنمية الإنسانية. فنسبة الأمية في إيران دون العشرة بالمائة، والأسرة نووية غير تقليدية، ويصل عدد المجتمع الطلابي 205 ملايين فرد بالتساوي بين الجنسين، كما يصل عدد الجمعيات غير الحكومية الى 28 ألف جمعية نشطة في المجال المدني والأهلي. وتبين دراسة \"خسروخوفار\" أن هذه البنية الاجتماعية الجديدة قد كرست بالفعل نمطاً متجذرا من العلمنة، وأوهنت الروابط التقليدية، وبالتالي أضعفت تحكم المؤسسة الدينية في الشأن الجماعي. بيد أن الخطاب الاحتجاجي لحركة المجتمع المدني الإيراني يستخدم قنوات التعبير الديني نفسها، ونادرا ما يستهدف المرجعية الدينية في المطلق. وكما يقول الفيلسوف الإيراني \"رامين جوهانبجلو\" (أحد رموز التيار الإصلاحي، اعتقل وسجن قبل سنتين قبل أن يلجا إلى كندا) :\"إن الإيرانيين موهوبون جداً في إبداع جزر حرية ضمن نسق مغلق. فهذا البلد قادر على إنتاج شيرين عبادي، ومئات الفنانين المثيرين، ومئات الجمعيات الأهلية....\" فعن طريق وسائل الاتصال الجديدة من شبكات إلكترونية وقنوات فضائية، أصبح الشباب الإيراني شديد الاطلاع على ما يحدث في الخارج، وحريصاً على الانفتاح وإعادة بناء هويته، و\"بفضله غدا المجتمع الإيراني قادراً على الإقلاع من حالة التوحش\". فعلى عكس انتفاضة طلاب الصين (تيانانمين 1989)، تستند الحركة الاحتجاجية الإيرانية الى قاعدة اجتماعية صلبة، تؤهلها لبعض الاستمرارية والتجذر، لتترك أثراً عميقاً متصلا. أما الجانب الثالث، فيتعلق بالجانب الفكري من حركية الشارع الإيراني، الذي نادراً ما حظي باهتمام يذكر في التحليلات الجارية. فما يميز الديناميكية الاحتجاجية الراهنة هو استنادها الى مرجعية ثقافية صلبة، وجدت التعبير عنها في الخطاب الفلسفي الذي يلاقى رواجاً لا نظير له في الساحة الإيرانية. وكما يقول \"رامين جوهانبجلو\" أصبحت الفلسفة رهاناً رئيسياً للشباب الإيراني، الذي تقدم له نمطاً من \"نهج المقاومة \" ضد الاستبداد والتسلط. فبعد عصر \"المفكرين الثوار\"، الذي رمز له \"علي شريعتي\"، انبثق جيل جديد من مثقفي \"ما بعد الثورة\" يستخدمون قاموساً فلسفياً ثرياً ومتنوعاً يتمحور حول معيار \"الاستقلالية والتحرر الفردي\" في مرجعيته التنويرية وسماته العقلانية النقدية. فبالمقارنة مع الجيل الأول من الليبراليين الإيرانيين الذين فجروا وواكبوا \"ثورة 1906\" وكان تركيزهم على أفكار التمدن والتقدم، يرى الليبراليون الجدد أن المجتمع الليبرالي مرتبط برؤية ضمنية للإنسانية من منظور التعددية والمساواة، وللحقيقة كمسار غير مكتمل بالضرورة يخضع لاختيارات البشر، ومن ثم مطلب الجمع بين العقلانية النقدية والتحرر السياسي. ولذا نفهم الافتتان بكتابات \"راولز\" و\"هابرماس\" و\"كارل بوبر\"، التي ترجمت على نطاق واسع إلى الفارسية، ودخلت بقوة إلى الحوزات العلمية وأدبيات بعض عناصر المؤسسة الدينية المنشقة. من الصعب التنبؤ بمستقبل الأزمة السياسية الإيرانية، إلا أنه من المؤكد أن ديناميكية التغيير قد دخلت بالفعل مرحلة حاسمة لها أثرها النوعي على مستقبل \"الجمهورية الإسلامية\".