في الكتاب الذي نعرضه هنا والمعنون بـ \"الوصول إلى التعددية... الفاعلون السياسيون في الشرق الأوسط\" يرى المؤلفون \"عمرو حمزاوي\" و\"مارينا أوتاوي\" و\"ميشيل دان\" الباحثين بمؤسسة \"كارنيجي للسلام الدولي\"، أن التعددية في العالم العربي لم تتطور حتى لحظتنا هذه إلى سياسات ديمقراطية فعلية. فرغم أن المؤسسات السياسية الحاكمة، وحركات الإسلام السياسي بشتى صورها، وبعض الأحزاب والقوى العلمانية... ساهمت بدرجات متفاوتة في إدخال قدر من التعددية في المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة، فإن هناك عوامل عدة حالت دون ممارسة التعددية لدورها المأمول في تلك المجتمعات. ولشرح ذلك يلزم أولا تعريف معنى التعددية السياسية باعتبارها تنبع من احتياجات المجتمع، وتعكس اختلاف المصالح، وتباين التوجهات السياسية، والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، وهي من مقومات البناء الديمقراطي السليم، وشرط للتداول السلمي على السلطة. غير أن كثرة الأحزاب لا تعكس بالضرورة تعدداً سياسياً حقيقياً، ولا تحقق الغرض المتوخى من وجودها في غياب التنافس المتكافئ بينها وافتقار بعضها لمقومات الوجود الفعلي. فعدم توازن القوى الفاعلة، والاعتماد المتبادل القائم بينها، يحد من درجة التنوع وبالتالي التعدد السياسي المطلوب، كما يحد من دوره وقدرته على إحداث الإصلاح السياسي الذي يحتدم النقاش بشأنه في تلك المجتمعات دون أن يتحقق على أرض الواقع. ويرى المؤلفون أن هناك إشكاليات عدة تعوق تبلور التعددية السياسية، وتحول بينها وبين أداء دورها، وهي إشكاليات يجب على المجتمعات العربية أن تشتبك معها، وتجد الحلول الناجعة لها. من تلك الإشكاليات الفتور السياسي لدى الجماهير، ولامبالاتها بالشؤون السياسية بعامة، لاعتقادها أن نخبة الحكم لا تمثلها، وأن الانتخابات الصورية، والتي عادة ما يتم تزويرها لصالح تكريس الأوضاع القائمة، لا تجعل لتلك الجماهير من دور حقيقي في اختيار من يحكمها. ومما يفاقم هامشية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجماهير في تقرير مصيرها؛ ضعف إقبالها على الانضمام للأحزاب التي أُصيبت هي الأخرى بنفس الأمراض المزمنة السائدة؛ مثل الجمود السياسي، وعدم تداول السلطة، والافتقاد إلى الديمقراطية الداخلية... وهي ظواهر مرشحة للاستمرار مستقبلا. بعد الحكومات والأحزاب السياسية، ينتقل المؤلفون لمناقشة فاعل أصبح يكتسب نفوذاً وقوة متزايدين في المسرح السياسي العربي، ألا وهو جماعات الإسلام السياسي التي يرى المؤلفون أنها وإن كانت قد اشتهرت بقدرتها على التنظيم والحشد، رغم قمع السلطات الذي أكسبها بعض التعاطف الشعبي في بلدان عديدة... إلا أنها بدأت هي الأخرى تفقد جزءاً كبيرا من شهرتها في هذا المجال لأسباب ليس أقلها الصراعات الداخلية التي تقوض من فعاليتها في الفضاء السياسي. ويحلل الكتاب ظاهرة ضعف الأحزاب العلمانية التي فقدت بريقها، بسبب افتقادها لعقيدة سياسية واضحة، وبرامج محددة، وهشاشتها التي دفعت بعضها لنفي صفة العلمانية عن نفسه بسبب النفوذ والتأثير الذي صار للجماعات الإسلامية، والذي كان من نتائجه أن كثيرين أصبحوا يعتقدون أن كلمة\" العلمانية\" مرادفة للإلحاد. ويشرح المؤلفون بعض التعقيدات المتعلقة بمشاركة جماعات الإسلام السياسي في العملية السياسية، ومنها توجس كثير من حكومات العالم العربي من مشاركة هذه الجماعات في العملية السياسية خوفاً من انتقاص شعبيتها هي، بل وشرعيتها أيضاً على ضوء المد الديني المتنامي. ومن هذه التعقيدات أيضاً أن تلك الجماعات لا تقدم في أحوال عديدة تصوراً واضحاً لنوعية مشاركتها، ولا برنامجاً سياسياً، بل تكتفي بإطلاق شعارات عامة، علاوة على أن بعضها يقوم على أسس مذهبية، في تعارض مع دساتير بعض الدول، وفي ترسيخ للفكرة القائلة بأن تلك الأحزاب مذهبية في الأساس وأنها ستظل كذلك. وهذه الصفات والخصائص، كما يرى المؤلفون، تكاد تكون عامة بين مختلف الجماعات والتنظيمات المشابهة في العالم العربي، مع استثناءات قليلة تزيد من ترسيخ القاعدة ولا تثبت خطأها. وفي الجزء الأخير من الكتاب يتناول المؤلفون كيف استطاعت النظم العربية الحاكمة إمساك قبضتها على السلطة وعلى المجتمعات التي تحكمها، رغم كافة إدعاءاتها بوجود \"رغبة\" لديها في الإصلاح. ويقولون إن تلك النظم قد اتبعت آليات مختلفة لتحقيق ذلك؛ منها الالتفاف على المطالب الداخلية والخارجية الداعية للتعددية والإصلاح، وتزوير الانتخابات، وتأجيج الصراعات الداخلية في أحزاب المعارضة، والسماح بوجود شكلي لعدد كبير من الأحزاب التي لا تمثل كافة تيارات المجتمع، إضافة إلى السيطرة على الموارد والثروة، وإبرام الصفقات وعقد التحالفات، واللجوء إلى القمع الأمني ضد خصومها، وتصفيتهم جسدياً إذا ما لزم الأمر وخصوصا في حالة الأنظمة المعروفة بتاريخها الطويل في القمع والدموية. والخلاصة أن أسباب غياب الحرية والتعددية عن العالم العربي تتمثل في معارضة السلطات العربية الحاكمة لمبدأ الإصلاح الذي يتعارض مع مصلحتها واستمرارها في الحكم، بالإضافة إلى ضعف الأحزاب وتنظيمات المجتمع المدني العربية. وكذلك دعم الدول الكبرى للأنظمة العربية الحاكمة لضمان انسياب مصالحها. غير أن الاتجاه العالمي نحو التعددية سيجبر هذه الأنظمة السياسية، في نظر المؤلفين، على التعاطي مع هذا الواقع الجديد، كما سيجبر الدول الغربية على مساندة الإصلاح الذي تنادي به، وإيجاد الآليات اللازمة للتوفيق بين مصالحها وبين دعوتها للديمقراطية في آن معاً. سعيد كامل الكتاب: الوصول إلى التعددية... الفاعلون السياسيون في العالم العربي المؤلفين عمرو حمزاوي، مارينا أوتاوي، وميشيل دان الناشر: مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي تاريخ النشر: 2009