لا شك أن الأوضاع في دول الخليج بعد 28 أغسطس 2009 ستختلف عما كانت قبله، فبعد فشل محاولة اغتيال الأمير محمد بن نايف بن عبدالعزيز مساعد وزير الداخلية السعودي في منزله على يد إرهابي ادعى أنه جاء لإعلان توبته بين يدي الأمير في حين أنه جاء ليفجر نفسه وليقتل الأمير داخل بيته... ستتغير الأمور والحسابات عما كانت عليه قبل هذا التاريخ من الناحية الأمنية ومن ناحية طريقة التعامل مع هذه الفئة من الضالين والمتطرفين فكرياً وعقائدياً ممن قبلوا بأن يخربوا بيوتهم بأيديهم ويسيئوا لأنفسهم ويكشفوا أن أهدافهم ضيقة ونظرتهم سطحية وانتقامهم شخصي والدين آخر همهم والأمة خارج حساباتهم. لقد نجا محمد بن نايف من محاولة الاغتيال هذه وهو أحد البارزين في حوار إعادة تأهيل المضلل بهم، الأمر الذي يبدو أنه جعله هدفاً بعدما أثبت أنه قد أثّر سلباً على ذلك الفكر الذي تتبنّاه "القاعدة"... وهذه العملية تبين أن هذه الجماعات لم تنه حربها بل طورتها باستهداف المسؤولين من أبناء الوطن وطورتها بالكذب والخديعة للوصول إلى أهدافها، ويبدو أن هذين تطوران مثيران للاهتمام وفيهما جانب سلبي وآخر إيجابي، فالسلبي هو أنه صار من الصعب توقع ما يستهدفونه ومن الصعب الوثوق بهم من جديد فكل تائب مشكوك فيه... أما الجانب الإيجابي فيدل على أن هذه الجماعات وأولئك الأفراد بدؤوا يفقدون مصداقيتهم وبداية نهايتهم اقتربت كثيراً. منذ عدة أسابيع أشرت في مقالتي على هذه الصفحة إلى ما يحدث في اليمن من تدخلات من جميع الأطراف ومن استغلال للوضع هناك وتدهور الأوضاع الأمنية فيه وتأثيرات كل ذلك على دول الخليج وضرورة وجود تحرك خليجي قوي لاحتواء الأوضاع في اليمن... وهذا المطلب ما يزال مستمراً لأن بقاء الوضع على ما هو عليه قد يحول اليمن إلى "أفغانستان" الخليج، فإرهابيو العالم يختبئون في أفغانستان وينطلقون منها إلى العالم... وإرهابيو الخليج يختبئون في اليمن وينطلقون منه إلى دول الخليج لتنفيذ مخططاتهم. وواضح أن تلك الجماعات عرفت من أين تؤكل كتف دول الخليج، فذهبت إلى اليمن معتقدة أنه أفضل مكان لتنفيذ مخططاتها. ويشهد اليمن في السنوات الأخيرة أوضاعاً أمنية مقلقة... سواء في المناطق الجنوبية أو الشرقية وحتى الشمالية... فاليمن بلد كبير ويجب أن ينال الاهتمام الذي يستحقه وأن يحصل على الدعم الكامل من دول الخليج وذلك ليس بالبيانات السياسية والتصريحات الإعلامية واللقاءات البروتوكولية والمجاملات، وإنما بالأفعال الدائمة والمستمرة... فأمن واستقرار اليمن مهم لكل دول الخليج. اليمن بحاجة إلى الدعم كي يتخطى أوضاعه الحالية... وهو بحاجة إلى مساعدة أيضاً ليصحح من الأخطاء والتجاوزات التي تم ارتكابها على مدى السنوات الماضية... وتلك الأخطاء التي يركز عليها البعض وقعت، لكن ذلك لا يعني أننا يجب أن نستمر في انتقاد الأخطاء ومرتكبيها بل لا بد من العمل من أجل تصحيحها مهما كلفت من وقت وجهد ومال... فمن الواضح أن هناك مناطق في اليمن صارت ملاذاً لكل من يريد أن يعيث في الأرض فساداً أو يخرب أو يغرر بأبناء المسلمين ليصبحوا إرهابيين وقتلة ومجرمين كل ذلك طبعا باسم الدين. لا يختلف اثنان على أن هناك تجاوزات سياسية وأن هناك تدخلات لقوى إقليمية على رأسها إيران في اليمن -فالأطماع الفارسية في اليمن قديمة لم تبدأ اليوم ولن تنتهي غدا- لكن كل ذلك لا يعني أن تقف دول الخليج مكتوفة الأيدي تنظر إلى ما يحدث. وصحيح أن هناك مساهمة مستمرة لدول الخليج لدعم اليمن لكن هذه المساهمة غير كافية فمن الواضح من خلال الأوضاع التي نراها في اليمن أنه بحاجة إلى دعم كبير جداً ومستمر للخروج من الوضع الذي يمر به ولا يبدو أن أحداً قادر على إنقاذ اليمن إلا دول الخليج العربية. وقد يردد البعض أن ما يحدث في اليمن شأن داخلي... لكن بنظرة أعمق لتلك الأوضاع يتضح بما لا يترك مجالا للشك أن تأثيراته خارجية بل خليجية وتؤثر على الأمن في المنطقة بأسرها فاليمن مرتبط تاريخياً وجغرافياً بل وعضوياً بدول الخليج ولا يمكن لدول الخليج التنصل من مسؤوليتها تجاه اليمن الذي يبدو أنه بحاجة لمن يساعده على استعادة السعادة المفقودة فيه. كما أن الظروف الاقتصادية في اليمن تزداد صعوبة، والظروف الأمنية معقدة فضلا عن الوضع الاجتماعي غير المستقر. وفي مثل هذه الأوضاع غير الطبيعية التي يمر بها هذا البلد الشقيق فإن من حقه على العرب وعلينا كخليجيين ودول جوار بشكل خاص أن نساعده على تجاوز هذه الصعوبات التي هي داخلية، لكن تأثيراتها خارجية وبعيدة جداً. الفقر والبطالة عدوان لدودان لأي شعب وهما أكبر مشكلة يعاني منها الإنسان اليمني، فماذا نتوقع من شعب حين يشعر أن أفق المستقبل مسدود أمامه؛ وضعه الاقتصادي صعب وموارده محدودة، والحالة السياسية فيه لا ترضي المواطن... إنها تعقيدات بالغة الدقة وبالغة الخطورة لا يمكن إلا التعامل معها بجدية. وبشكل عام فان الأوضاع التي يعيشها اليمن لا تسر أي إنسان يعرف قيمة هذا البلد، لكنها بلا شك تسعد أعداء اليمن وأعداء الخليج وأعداء السلام والاستقرار بشكل عام، فيريدون أن تبقى المنطقة تعيش على فوهة بركان. فمن يعبث في اليمن لا يريد تدميره فقط وإنما هدفه الدول التي حوله، وهو يتخذ من اليمن المنشغل بأوضاعه السياسية والاقتصادية غير المستقرة والحروب الدائرة مع الفصائل الشمالية والجنوبية، وسيلة للعبث باليمن وما حوله. إن الدعوة لعقد قمة خليجية يمنية خاصة للنظر في الوضع اليمني ومحاولة الخروج بحلول وأفكار لحل المشكلات في اليمن، لا تبدو أمراً مستحيلا كما لا يفترض أن تكون ثقيلة على أحد، لأنها قمة مهمة جداً وستساعد على التوصل إلى حلول عملية لمشكلات اليمن. ولا شك أن دولا ستقول إنها "قامت بدورها بل حاولت أن تقوم بأكثر مما هو مطلوب منها لكن الأوضاع في اليمن معقدة ولا تساعد على أي نوع من العمل ولا تشجع على الاستمرار في الدعم". وهذا كلام به جانب من الصحة والصواب ولكن لا يعني أن نتوقف عن العمل وعن المحاولة فالوضع في اليمن يستحق العناء وتكرار المحاولة فتراكمات سنوات طويلة لا يمكن إزالتها في اجتماع أو اثنين.